في كتابه «فوضى في المنطقة الخضراء: تجربتي كمخطط لاستراتيجية حرب العراق» للأكاديمي والعقيد المتقاعد في سلاح الجو الأمريكي توماس مول (Tom Mowle)، يقدم المؤلف شهادة حية ونقدية من داخل مقر سلطة الائتلاف المؤقتة في بغداد حول كواليس التخطيط الأمريكي لإدارة العراق بعد غزو عام 2003.
ينطلق الكتاب من التجربة المباشرة لمول بين عامي 2004 و2005، حيث عمل مستشاراً استراتيجياً ومخططاً سياسياً داخل «المنطقة الخضراء» محصنة النفوذ. ويكشف العمل عن الفجوة الهائلة بين التخطيط النظري في واشنطن والواقع الميداني المعقد في الشارع العراقي، مبرزاً كيف أدى الجهل بالتركيبة الاجتماعية والثقافية للبلاد إلى اتخاذ قرارات مصيرية ارتجالية أفضت في النهاية إلى تغذية الانقسامات وتأجيج العنف الطائفي.
تكمن القوة الأساسية للعمل في أسلوبه السردي الذي يمزج بين التوثيق الاستراتيجي والسخرية السوداء؛ حيث يفكك البيروقراطية العسكرية والمدنية التي شلت حركة المسؤولين الأمريكيين وعزلتهم داخل فقاعة آمنة بعيدة عن واقع بغداد اليومي. ويشرح المؤلف كيف تم صياغة السياسات وتوزيع المناصب وإعادة بناء المؤسسات العراقية بنهج متسرع، افتقر للرؤية طويلة الأمد وعكس صراعات المصالح بين وزارة الدفاع (البنتاغون) والخارجية الأمريكية.
يتناول الكتاب أيضاً التبعات السياسية والأمنية لتلك الفترة، محققاً في الآليات التي أدت إلى هدم الدولة العراقية السابقة دون وضع بديل متماسك، مما أوجد فراغاً أمنياً وهيكلياً استغلته الجماعات المسلحة والقوى الإقليمية للتمكين والنفوذ.
«فوضى في المنطقة الخضراء» ليس مجرد مذكرات شخصية عن الحرب، بل هو دراسة حالة تشريحية للفشل الاستراتيجي والبيروقراطي في إدارة الأزمات الدولية. إنه عمل يقدم نقداً ذاتياً صريحاً من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، موضحاً كيف تتحول الاستراتيجيات الكبرى إلى فوضى عارمة عندما تُفصل عن المعرفة الواقعية ويغيب عنها الفهم العميق للمجتمعات المُستهدفة.













