طرحت دار نشر "غواندا" (Guanda) الإيطالية كتاباً استقصائياً جديداً ومثيراً للصحفي المتخصص في الشؤون العسكرية جانلوكا دي فيو بعنوان "السماء القذرة" (Il cielo sporco)، وهو عمل واقعي يقع في 224 صفحة يوثق الثورة التكنولوجية المرعبة في الحروب المعاصرة وتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للقتل دون قيود.
ينطلق الكتاب من التعبير الشائع بين الجنود الأوكرانيين على جبهات القتال، حيث يطلقون وصف "السماء القذرة" للإشارة إلى الكثافة الخانقة للطائرات المسيرة (الدرونز) التي تحلق فوق خنادقهم، حتى بات المشاة يباركون المطر والرياح لكونها العاصم الوحيد لهم من هجمات تلك المروحيات الرباعية الانتحارية. ويشرح دي فيو كيف تحول النزاع الروسي الأوكراني منذ ربيع عام 2022 إلى ساحة لعملية "تسيير وحشية وعشوائية" غير خاضعة لأي قوانين دولية، وهي الظاهرة ذاتها التي امتدت إلى قطاع غزة والشرق الأوسط حيث باتت إسرائيل تعتمد عليها كلياً لفرض هيمنتها العسكرية، مما منح الآلات والربوتات "رخصة تسيير ذاتي للقتل" تجاوزت حدود خيال الخيال العلمي الكلاسيكي لإسحق عظيموف.
يتتبع المؤلف، الذي يشغل منصب مراسل شؤون الدفاع في صحيفة "لاريبوبليكا" وله مسيرة تمتد لخمسة وثلاثين عاماً في تغطية الحروب، الجذور التاريخية لهذه التكنولوجيا بدءاً من طائرات "بريديتور" الاستباقية التي استخدمتها أمريكا عام 2001 في الحرب على الإرهاب، وصولاً إلى الحقبة السياسية الحالية وتطلعات ترامب لإنشاء "القبة الذهبية" الفائقة لتأمين الولايات المتحدة. وينجح دي فيو بأسلوب سردي يجمع بين المعايشة الميدانية والتحليل الجيوسياسي العميق في إثبات أن هذا الغزو الرقمي للسماء لن يغير موازين القوى السياسية فحسب، بل سيعيد صياغة الأنثروبولوجيا البشرية وطبيعة العلاقات الإنسانية إلى الأبد.











