يقدم المؤرخ والباحث ديفيد بريدان في كتابه الصادر عن دار نشر "فوت نوت بريس" تحت عنوان "الذكاء: تاريخ فكرة" دراسة تاريخية وفكرية عميقة حول كيفية تشكل مفهوم الذكاء في الوجدان الإنساني والمجتمعات الحديثة. ينطلق الكاتب من واقعنا المعاصر الذي أصلح فيه الذكاء معيارًا محوريًا لتقييم الأفراد وتوجيه السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
نرى اليوم كيف يحاط الذكاء بهالة من التقديس، بدءًا من نصائح الوالدين بتعريض الأطفال للموسيقى الكلاسيكية لتعزيز قدراتهم الذهنية، مرورًا بالمؤسسات التعليمية التي تخضع الجميع للامتحانات الشاقة والتنافس الأكاديمي الشرس، وصولًا إلى تبرير الفوارق الطبقية والثراء الفاحش لرواد التكنولوجيا والرؤساء التنفيذيين باعتباره نتاجًا طبيعيًا لذكائهم الفائق. أضف إلى ذلك صعود الذكاء الاصطناعي الذي أثار تساؤلات وجودية حول مستقبل العمل البشري ومصير الجنس البشري نفسه.
يتتبع بريدان جذور هذا المفهوم ليكشف أن الذكاء، بصفته فكرة مركزية تقاس بها قيمة الإنسان، لم يكن دائمًا بهذه الصورة، بل هو نتاج لمنظومة تاريخية وعلمية وسياسية تشكلت عبر القرن العشرين. يبحر الكتاب في تقاطعات العلوم والثقافة الشعبية والسياسة مستعرضًا محطات ومشاريع شخصية أسهبت في صناعة هذا المفهوم الحديث. يستعرض الكاتب قصصًا واقعية تتراوح بين تأسيس جمعيات مثل "منسا" للذكاء المرتفع، وصولًا إلى محاولات غريبة كبناء قريّة للأطفال الموهوبين في جبال صقلية على يد أحد القسس، فضلًا عن خطط ومشاريع متعددة استهدفت هندسة الذكاء البشري وترقيته.
لا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي المحايد، بل ينفذ إلى الجانب المظلم والخطير لفكرة الذكاء. يوضح بريدان كيف تم توظيف الذكاء كأداة قمعية وذريعة علمية لدعم ما يشبه الثورة المضادة ضد المساواة. لقد أدى تحويل الذكاء إلى معيار كمي يقاس باختبارات محددة إلى تبرير التمييز التراتبي بين البشر، وإقصاء فئات اجتماعية كاملة، وترسيخ اللامساواة تحت غطاء من العلمية المزيفة والجديرة بالثقة. وبذلك تحول الذكاء من مجرد سمة بشرية إلى أيديولوجيا تُستخدم لتبرير الامتيازات الفردية والمؤسسية.
تكتسب هذه الدراسة أهميتها الفائقة من الخلفية الأكاديمية للمؤلف؛ إذ يعتمد ديفيد بريدان، وهو مؤرخ متخصص في تاريخ القرن العشرين بكلية كينجز كوليدج لندن، على خبرته في دراسة تاريخ الفاشية والتعاون الدولي والحركات الإنسانية لتفكيك الأبعاد السياسية والاجتماعية التي تحيط بفكرة الذكاء.
يوضح الكاتب أن الإيمان العاطفي والمفرط بالذكاء كمعيار مطلق يعكس تحولًا عميقًا في كيفية فهمنا للتطوير الذاتي والعدالة الاجتماعية، حيث بات يُنظر إلى النجاح والفشل كمسؤولية فردية خالصة مرتبطة بـ "الذكاء" المعطى للفرض، بدلاً من ربطها بالظروف الهيكلية والاجتماعية.
في ختام هذا الطرح، يضعنا كتاب "الذكاء" أمام مراجعة نقدية ضرورية ومستعجلة لطريقة تعاملنا مع القدرات الذهنية. يحثنا العمل على التشكيك في المسلمات المعاصرة التي تجعل من اختبارات الذكاء والتفوق الأكاديمي والتكنولوجي مقياسًا كليًا للقيمة الإنسانية. إنه يدعو القارئ لإعادة التفكير في كيفية بناء مجتمعات أكثر عدلاً ومساواة، لا تتأسس على تراتبية ذكاء مجردة قد تكون مفصلة خدمةً للمحظوظين، بل على تقدير الشمولية والكرامة الإنسانية بكافة أشكالها المتنوعة.












