في كتابه «فرينشمان فلات: صعود وسقوط القنابل الذرية» (Frenchman Flat: The Rise and Fall of Atomic Bombs)، الصادر عن دار جامعة هارفارد للمخرج التوثيقي والأكاديمي جون إلس (Jon Else)، يقدم المؤلف دراسة تاريخية وسياسية استثنائية تعتمد منهج "السيرة المادية" والمشاهدة الميدانية لتفكيك الضخامة المهولة للمجمع النووي الأمريكي خلال الحرب الباردة.
ينطلق الكتاب من زاوية سردية مبتكرة؛ فبدلاً من تناول التاريخ النووي عبر القرارات السياسية الكبرى في واشنطن أو التحليلات الجيوستراتيجية المجردة، يختار إلس تتبع قصة قنبلة نووية تكتيكية واحدة تُدعى «بريسيلا» (Priscilla) زنتها 37 كيلوطن، حيث تم تفجيرها عام 1957 فوق بيئة حضرية اصطناعية صُممت خصيصاً لاختبار قدرات الدمار في منطقة «فرينشمان فلات» بموقع الاختبارات في نيفادا. ومن خلال القصة المحددة لهذه القنبلة، يفتح العمل نافذة عريضة لفهم الهيكل المالي والعسكري والعلمي الهائل الذي أدار المشروع النووي الأمريكي من الأربعينيات حتى التسعينيات.
تكمن القوة الأساسية للعمل في الدمج البارع بين الفيزياء التطبيقية والأبعاد الإنسانية؛ حيث يجمع الكاتب — بصفته مستنداً إلى عقود من التوثيق والتصوير — بين التاريخ السياسي والشهادات المباشرة للعلماء، وعمال مواقع الاختبار، والأطباء، والعائلات المقيمة في المناطق المواجهة لاتجاه الرياح والتلوث الإشعاعي (Downwinders). ويكشف العمل عن الثمن الباهظ للتجارب الميدانية وكيف أدى الاندفاع نحو السيطرة إلى تلويث دائم للبيئة والمجتمعات المحيطة.
يتناول العمل أيضاً الأبعاد الدبلوماسية المعاصرة، مبرزاً كيف تشكل قصة «فرينشمان فلات» تحذيراً شديد اللهجة في زمن تترنح فيه المعاهدات الدولية للحد من الأسلحة وتتراجع فيه القواعد المناهضة للتجارب النووية، مما يهدد بالعودة إلى سباقات التسلح وإجراء الاختيارات الميدانية مجدداً.
«فرينشمان فلات» ليس مجرد توثيق مادي لقطعة سلاح من مخلفات الحرب الباردة، بل هو تشريح تاريخي ومفهومي مكثف لخطورة العصر النووي. إنه كتاب يذكر القارئ بالثمن البيئي والإنساني الفادح للتجارب العسكرية، محذراً من أن منع الحرب النووية حتى الآن اعتمد على الردع والدبلوماسية وحسن الحظ، وأن التساهل مع المعاهدات الدولية يهدد بإعادة العالم إلى حافة الفناء.












