صدر حديثاً عن دار النشر الإيطالية "نوتيتيمبو" (Nottetempo) كتاب مثير للجدل يحمل عنوان "اللعب بالحرب: كيف تعمل صناعة الألعاب على عسكرة عقولنا" (Giocare alla guerra. Come l'industria ludica militarizza le nostre menti) للكاتب والباحث الإيطالي الشاب داريو باساني (Dario Bassani). يأتي هذا المؤلف الصادر في 29 مايو 2026 في 192 صفحة من القطع المتوسط، ليفكك التشابك المخيف بين تكنولوجيا الترفيه الرقمي والحروب الجيوسياسية المعاصرة، مسلطاً الضوء على تحول منصات الألعاب من مساحات للتسلية البريئة إلى أدوات استراتيجية لتوجيه الرأي العام وإعداد مقاتلي المستقبل.
يستهل باساني أطروحته برصد ظاهرة واضحة في النزاعات الراهنة: لقد بات "النيرد" (المهووسون بالتقنية والألعاب) يسيطرون على مجريات الحروب الحديثة، وحلت أذرع التحكم (Joysticks) محل البنادق التقليدية في كثير من الأحيان. ويوضح الكتاب أن هذا الاندماج بين العنف والترفيه ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لروابط تاريخية عميقة بدأت منذ ألعاب الحروب اللوحية في القرن التاسع عشر (مثل لعبة Kriegsspiel البروسية)، ومروراً بالخلفيات العسكرية للعبة Dungeons & Dragons، وصولاً إلى محاكيات الأسلحة النووية إبان الحرب الباردة، والتي مهدت الطريق لسلاسل ألعاب التصويب الشهيرة اليوم مثل Call of Duty.
ويرى المؤلف أن اللعب لم يكن يوماً عملاً بريئاً على مر التاريخ؛ إذ طالما وظفت الإمبراطوريات القوى اللودية (الترفيهية) لتدريب الشعوب وتطبيعها مع منطق النزاع المستمر والقبول به.
يستدل التقرير بالوقائع الميدانية التي يسوقها باساني ليربط بين الخيال الرقمي والواقع المرير؛ ففي الحرب الروسية الأوكرانية، يجري تجنيد لاعبي الفيديو بشكل علني وممنهج وتوظيف مهاراتهم الفائقة في التحكم عن بُعد لقيادة الطائرات المسيرة (Drones) في جبهات القتال.
أما في قطاع غزة، فيكشف الكتاب عن بُعد أكثر سوداوية، حيث تعتمد الصناعات العسكرية الرقمية على أنظمة ذكاء اصطناعي برمجها مهندسون نشأوا كـ"لاعبين شرهين" (Gamer) داخل كبرى شركات التقنية الهادفة لتنفيذ عمليات تصفية دقيقة. هذه التقنيات باتت تُدار بواسطة شركات عملاقة، يحمل بعضها أسماء مستوحاة من عوالم الفانتازيا والأدب (مثل أدبيات تولكين)، ويقودها رجال أعمال يهمسون اليوم في آذان قادة القوى العظمى للفوز بعقود عسكرية تدر مليارات الدولارات.
ينتقد باساني بشدة تحويل الحروب الحقيقية إلى "عروض بصرية ممتعة" تُستهلك عبر الشاشات ومواقع التواصل، مما يؤدي إلى غياب المسافة الإنسانية والأخلاقية بين الضارب والمضروب. إن عزل جسد المقاتل خلف شاشة في قارة أخرى، وفصل القرار العسكري عن الإحساس المباشر بالقتل بفضل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يضع البشرية أمام تساؤل مخيف حول ماهية الهوية الإنسانية القادمة.
يهدف هذا الساج المكتوب بأسلوب حاد وذكي إلى قرع ناقوس الخطر ضد "تطبيع فكرة الحرب اللانهائية" وجعلها جزءاً من ثقافتنا اليومية الخفية.
##











