في الوقت الذي يجهد فيه العالم لتوثيق التحولات السياسية والعسكرية الكبرى التي شهدتها المنطقة، يأتي كتاب "سوريون في ظل الحرب: معارك البقاء والعيش اليومي" (Syrians in the Shadow of War: Everyday Struggles and Survival)، الصادر عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ليقلب عدسة التحليل نحو الجانب الإنساني الأكثر عمقاً. الكتاب الذي حرره الباحث أليكس سايمون، وحظي بتصدير مميز من ماتيو ري وبيتر هارلينغ، وصدر بالتعاون مع المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (Ifpo)، يمثل وثيقة تاريخية وإنسانية استثنائية تختزل سبع سنوات من البحث والعمل الميداني المعمق لإبراز صوت المواطن السوري العادي وسط أتون المعاناة.
يقدم الكتاب شهادات حية ومرويات تقشعر لها الأبدان حول كيفية كفاح السوريين العاديين من أجل البقاء والتكيف مع الظروف القاسية والمحن الطاحنة التي سبقت انهيار نظام الأسد. وعوضاً عن التركيز على تحركات الجيوش أو صراعات النخب السياسية، ينزل الكتاب إلى تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين، راصداً استراتيجياتهم البسيطة والمعقدة لتأمين الغذاء، والمأوى، والأمان، والحفاظ على كرامتهم الإنسانية في بيئة محفوفة بالموت والدمار المستمر. يعتمد العمل على منهجية "التاريخ الشفهي" والتوثيق الميداني الصارم، مما يمنحه مصداقية عالية ويجعل منه أرشيفاً حياً لذاكرة الجمعية السورية التي طمستها الآلة العسكرية لسنوات طويلة.
وقد حظي هذا الإصدار بإشادات واسعة من الأوساط الأكاديمية ومراكز الأبحاث المهتمة بشؤون الشرق الأوسط، حيث اعتبره النقاد قفزة نوعية في أدبيات الحروب والنزاعات، نظراً لجرأته في تقديم رواية بديلة للتاريخ الرسمي تركز على "تاريخ الأسفل" أو تاريخ الشعوب وصمودها. نجح أليكس سايمون والمساهمون معه في تحويل صفحات الكتاب إلى مساحة للمقاومة السلمية بالكلمة والتوثيق، كاشفين عن إرادة الحياة المعجزة التي تحلى بها الإنسان السوري في وجه منظومات القمع والتهجير، مما يجعل هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه لفهم الجذور الاجتماعية والإنسانية التي شكلت ملامح المشهد السوري الحالي.












