يمثل كتاب "من أجل ديمقراطية متوحشة: سوسيولوجيا جسدية في قلب النضالات والصراعات" (*Pour une démocratie sauvage: Une sociologie charnelle au cœur des luttes et des conflits) الصادر عام 2026 عن دار النشر الفرنسية المرموقة لا ديكوفرت (La Découverte)، إسهاماً نظرياً وميدانياً لافتاً لعالمي الاجتماع الفرنسيَّين مانويل سيرفيرا-مارزال وبرونو فرير. ينطلق المؤلفان في هذا العمل من رصد حالة الاستقطاب والاضطراب التي تعيشها السوسيولوجيا المعاصرة، حيث تجد نفسها ممزقة بين تيارين؛ تيار يُتهم بالإفراط في النزعة الحركية والمشحونة سياسياً (الميلتانتية)، وتيار بنيوي وضعي متهم بالانغلاق داخل الحسابات الإحصائية والنظريات الجامدة المعزولة عن الواقع اليومي للناس. وفي مواجهة هذا الانقسام، يقدم الباحثان مخرجاً معرفياً مبتكراً يطلقان عليه اسم "السوسيولوجيا الجسدية/اللحمية"* (Sociologie charnelle)، وهي مقاربة تعيد غرس عالم الاجتماع في "لحم" ونسيج المجتمع المعاش، متأثرةً بالرؤى الفلسفية لموريس ميرلو-بونتي وكورنيليوس كاستورياديس، إلى جانب البناء السوسيولوجي لبيير بورديو وبرونو لاتور.
يتجاوز الكتاب الفكرة السائدة التي ترى في النزاعات العنيفة والاحتجاجات تهديداً لاستقرار الأنظمة السياسية، ليطرح بدلاً من ذلك أطروحة مغايرة تعتبر أن الصراعات الاجتماعية والمدنية هي المحرك الأساسي وجوهر "الديمقراطية المتوحشة" النابضة بالحياة. يسعى المؤلفان إلى ردم الفجوة التقليدية بين "السوسيولوجيا النقدية" التي تركز على تفكيك آليات الهيمنة والسيطرة، و"السوسيولوجيا البراغماتية" التي تلتفت إلى قدرة الأفراد على الفعل والمقاومة. ومن خلال دراسات ميدانية معمقة شملت بؤر النضال البيئي والسياسي المعاصر، مثل منطقة الدفاع عن الأراضي (ZAD) في "نوتردام دي لاند" وحركات الإدارة الذاتية في "تشياباس"، يوضح الكتاب كيف يتلاحم الجسد البشري بالفعل الاحتجاجي، وكيف يتحول الشارع وحقول المواجهة إلى مساحات لابتكار قيم جديدة من المساواة والتضامن والدفاع عن الكائنات الحية.
يمزج العمل ببراعة بين التأسيس الإبستمولوجي الرصين لعلم اجتماع المستقبل، والتحليل السياسي الجريء الذي ينتقد نزعة الترفع الفوقي للأكاديميا المعاصرة التي تدرس المجتمعات من برج عاجي. وينتهي الكتاب بالتأكيد على أن مهمة علم الاجتماع لا تكمن في تقديم قوالب جاهزة أو اتخاذ مواقف حيادية باردة، بل في مرافقة الحركات التحررية وفهم إمكانات التغيير المنبثقة من قلب المعاناة والمواجهة اليومية، مما يجعل هذا المؤلف وثيقة مرجعية لا غنى عنها لكل مهتم بفلسفة العمل السياسي المعاصر ومستقبل العلوم الاجتماعية.













