في كتابها «كتاب الإبادات الجماعية» (The Book of Genocides)، الصادر عن دار جامعة هارفارد (Harvard University Press) للأنثروبولوجية والكاتبة والمصممة دانا ماشويان والراث (Dana Mashoian Walrath)، تقدم المؤلفة دراسة استثنائية وعميقة تجمع بين التفكيك الأنثروبولوجي والتاريخ المفهومي لأسباب وظاهرة الإبادة الجماعية عبر التاريخ البشري الحديث.
ينطلق الكتاب من أطروحة مفادها أن الإبادة الجماعية ليست مجرد تفجر مفاجئ للكراهية أو العنف العشوائي، بل هي عملية سياسية وثقافية وهيكلية منظمة تعتمد على أدوات معرفية ولغوية محددة. وتستخدم والراث خلفيتها في الأنثروبولوجيا الطبية والثقافية لتتبع كيف تُبنى آليات «شيطنة الآخر» وتجريده من إنسانيته عبر الخطاب السياسي والإعلامي تمهيداً لتبرير المحو والقتل الجماعي.
تكمن القوة الأساسية للعمل في النهج السردي والتحليلي الذي يدمج بين التاريخ الشفهي، والأدلة الأرشيفية، والبُعد المادي والإنساني؛ حيث تتناول المؤلفة حالات تاريخية متعددة — بما في ذلك الإبادة الجماعية للأرمن، والمحرقة (الهولوكوست)، وإبادة السكانيين الأصليين في الأمريكتين، وصولاً إلى نزاعات القرن العشرين في رواندا والبوسنة. وتبرز والراث كيف تتشابه الأنماط الهيكلية لهذه الجرائم برغم اختلاف الأزمنة والجغرافيا، مؤكدة على دور الذاكرة الجماعية والفن في توثيق الصدمة ومقاومة المحو التاريخي.
يتناول العمل أيضاً الأبعاد القانونية والأخلاقية المعاصرة، مبيناً كيف تشكل الثغرات في القانون الدولي وآليات العدالة الانتقالية عائقاً أمام المنع المبكر للإبادات، ومحذرة من أن الخطابات العنصرية والتجريد من الإنسانية في العصر الرقمي تُعيد خلق نفس الظروف التي مهدت لفظائع الماضي.
«كتاب الإبادات الجماعية» ليس مجرد توثيق مأساوي للمجازر البشرية، بل هو تشريح عميق للميكانيزمات الثقافية والاجتماعية التي تجعل العنف الجماعي ممكناً. إنه عمل يضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية وفكرية لحماية الذاكرة والمواطنة الإنسانية، محذراً من أن فهم جذور الإبادة هو الخطوة الأولى والأهم لمنع تكرارها.












