في كتابها «دوامة الثقة: لماذا تحتاج الصحافة إلى الموضوعية»، الصادر عن دار بوليتي بريس (Polity Press) للصحفية والكاتبة الكندية تارا هينلي (Tara Henley)، تقدم المؤلفة تشريحاً شاملاً وأرشيفياً لأزمة تراجع ثقة الجمهور في وسائل الإعلام التقليدية، مستكشفةً الأسباب الهيكلية والإيديولوجية التي أدت إلى هذا الانحدار الحاد.
ينطلق الكتاب من أطروحة مفادها أن انهيار الثقة بالإعلام لا يعود فقط إلى انتشار منصات التواصل الاجتماعي أو الهجوم السياسي الخارجي، بل هو نتيجة «دوامة تآكل ذاتية» بدأت عندما تخلت غرفة الأخبار والمؤسسات الصحفية الكبرى عن مبدأ «الموضوعية والحياد» لصالح النشاط الإيديولوجي والتوجيه الأخلاقي.
وترى هينلي أن رد الفعل الذعوري للوسائل الإعلامية عقب التطورات السياسية المتلاحقة منذ عام 2016 دفع المؤسسات إلى إسقاط معايير التغطية المهنية المستقلة واحتضان التوجهات الأحادية.
تكمن القوة الأساسية للعمل في الرؤية النقدية التي تقدمها هينلي بصفتها صحفية سابقة في مؤسسات إعلامية بارزة؛ حيث تفكك البيئة الداخلية لغرف الأخبار المعاصرة. وتوضح الكاتبة كيف أسهمت الهشاشة الاقتصادية لصناعة الصحافة، إلى جانب الهيمنة الفكرية للنشاط الشبابي وغياب القيادة التحريرية الحازمة، في خلق حالة من «التجانس الطبقي والفكري» داخل وسائل الإعلام، مما عزز التغطيات المنحازة وأبعد المؤسسات عن قضايا الطبقات العاملة والجمهور العريض.
يتناول العمل أيضاً السبل العملية لإصلاح الصحافة وإعادة بناء جسور الثقة مع القراء، مؤكدةً أن الحل لا يكمن في فرض الوصاية الفكرية، بل في الاعتراف بالأخطاء، وإعادة الاعتبار للموضوعية وجمع الحقائق المجردة، والتركيز على خدمة النفع العام وإتاحة المجال لمختلف وجهات النظر دون إقصاء أو تحيز سياسي.
«دوامة الثقة» ليس مجرد هجوم أو حسرة على ماضٍ صحفي مفقود، بل هو صرخة مراجعة ومانيفستو نُقدي من داخل الحقل الإعلامي. إنه كتاب يطرح أسئلة حاسمة حول النزاهة الصحفية، داعياً إلى تجريد غرف الأخبار من الاستقطاب الأيديولوجي وإعادة الاعتبار للموضوعية بصفتها الركيزة الأساسية لحماية الصحافة وحفظ دورها في المجتمعات الديمقراطية.












