في كتابها «السيدة البيضاء: قصة شبكتين استخباراتيتين بريطانيتين خلف الخطوط الألمانية» (The White Lady: The Story of Two Key British Secret Service Networks Behind German Lines)، الصادر عن دار جامعة ييل (Yale University Press) للمؤرخة والكاتبة المتخصصة في الشؤون العسكرية والاستخباراتية هيلين فراي (Helen Fry)، تقدم المخرجة والباحثة قراءة تاريخية موثقة لواحد من أهم فصول التجسس والمقاومة السرية في أوروبا خلال الحربين العالميتين.
ينطلق الكتاب من استكشاف تاريخ شبكة «السيدة البيضاء» (La Dame Blanche)، وهي شبكة استخباراتية بلجيكية سرية عملت لصالح الاستخبارات البريطانية (MI6) خلال الحرب العالمية الأولى لتتبع تحركات القوات والمؤن الألمانية. ثم يتتبع العمل كيف عاد قادة هذه الشبكة للالتفاف والتنظيم مجدداً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية لتأسيس شبكة خليفة لها تُعرف بـ «شبكة كلارنس» (Clarence Service)، مستمرةً في تقديم دعم استخباري حاسم للمجهود الحربي للحلفاء.
تكمن القوة الأساسية للعمل في اعتماد الكاتبة على أرشيفات ووثائق أُزيحت عنها السرية مؤخراً في بروكسل ولندن؛ حيث تسلط فراي الضوء على الدور المحوري وغير المرئي للمرأة والمواطنين المدنيين في الاستخبارات الحديثة. وتكشف كيف نجح آلاف العمال والمواطنين العاديين في اختراق جدار الصمت المفروض من الاحتلال الألماني عبر إرسال مئات الرسائل اللاسلكية والتقارير السرية حول تحركات القطارات العسكرية، وصولاً إلى تقديم معلومات استخباراتية حاسمة عن أسلحة هتلر السرية مثل صواريخ (V-1).
يتناول الكتاب أيضاً الأبعاد الإنسانية والمخاطر الهائلة التي واجهها العملاء في الميدان، بدءاً من أساليب التهريب المبتكرة للمعلومات والرسائل عبر الحدود، وصولاً إلى عمليات الاعتقال والإعدام الانتقامية التي نفذها «الجيستابو» بحق المقاومين وعائلاتهم.
«السيدة البيضاء» ليس مجرد تجميع للروايات التجسسية والتاريخ العسكري، بل هو تكريم تاريخي وبحث استقصائي رصين لأفراد خاطروا بحياتهم خلف خطوط العدو. إنه عمل يبرز كيف أسهمت المقاومة المدنية المُنظمة والشبكات السرية في البلجيك في تغيير مجرى الحربين العالميتين وصياغة آليات التجسس الحديث.













