في كتابه «رأسمالية أصابها الجنون: كيف كسب الأغنياء صراع الطبقات»، الصادر عن دار «فلاماريون» (Flammarion)، يقدم المستشار الاقتصادي الفرنسي ألان مينك (Alain Minc)، بالحوار والشراكة مع الصحفي والإعلامي غيوم إرنير (Guillaume Erner)، قراءة مكثفة للتحولات العميقة التي أصابت المنظومة الاقتصادية الغربية.
ينطلق الكتاب من ملاحظة مركزية تُشكل «الفيل المتربع في الغرفة»: الانفجار غير المسبوق في أعداد الأثرياء وما فوق الأثرياء (Ultra-rich) حول العالم. ويرى المؤلفان أن المقاربات التقليدية التي تُرجِع هذه الظاهرة إلى الثغرات الضريبية، أو التهرب المالي، أو ضعف آليات إعادة التوزيع، تظل تفسيرات سطحية ذات طابع أخلاقي تتجاهل جوهر المأزق. فالقضية في عمقها ليست مجرد قلة في الضرائب المفرروضة، بل هي سؤال سياسي ذو جذور ماركسية بامتياز: كيف استطاعت الطبقة المباشِرة للثروة حسم «صراع الطبقات» لصالحها وبشكل غير مسبوق؟
تأتي أهمية الطرح من هوية ألان مينك نفسه، باعتباره أحد الفاعلين والشاهدين على كواليس عالم المال والأعمال في فرنسا لعقود. يمزج الكتاب بين التحليل الهيكلي والتأمل النقدي لآليات الرأسمالية المعاصرة التي انحرفت عن نموذجها القائم على المنافسة والابتكار والمسؤولية الاجتماعية، لتتحول إلى نظام يُركز الثروة والسطوة السياسية في أيدي فئة قليلة للغاية.
يتناول العمل كيف تحولت الرأسمالية من محرك للنمو وتكافؤ الفرص إلى آلية تُعيد إنتاج الامتيازات وترسخ الفوارق الطبقية، معتبرين أن الانفصال المتزايد بين رأس المال والعمل لم يعد مجرد اختلال اقتصادي بل تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي والديمقراطي. كما يستعرض الكتاب الأدوات السياسية والاقتصادية والتشريعية التي مكّنت هذه الفئة من صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية لصالحها.
«رأسمالية أصابها الجنون» ليس مجرد هجوم تقليدي على النظام الرأسمالي، بل شهادة نقدية من داخل المؤسسة الاقتصادية ذاتها. إنه محاولة لتفكيك بليغة للمشهد الاقتصادي الراهن، وتوضيح كيف أدت التحولات الهيكلية في العقود الأخيرة إلى حسم الصراع الطبقي لصالح الأثرياء، داعياً إلى إعادة التفكير في قواعد اللعبة قبل أن تؤدي هذه الاختلالات إلى تقويض السلم الاجتماعي برمتها.













