غير أن مراجعة نقدية للكتاب، نشرتها صحيفة "الغارديان"، ترى أن المؤلفين، رغم اتفاق معظمهم على أن بريكست لم يحقق الوعود التي رُفعت خلال حملة الاستفتاء، تجاهلوا القضية التي شكلت، بحسب المراجعة، المحرك الأساسي للخروج، وهي القومية الإنجليزية وأزمة الهوية الوطنية.
اقتصاد أضعف بعد عشر سنوات
ويستعرض الكتاب، الذي حرره المؤرخ البريطاني البارز أنتوني سيلدون، حصيلة اقتصادية تعتبرها غالبية المشاركين سلبية، إذ يشير إلى أن الاقتصاد البريطاني لم يحقق المكاسب التي وعد بها مؤيدو الانفصال.
وتستند المراجعة إلى دراسة مستقلة صادرة عن جامعة ستانفورد، خلصت إلى أن بريكست أدى بحلول عام 2025 إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة تتراوح بين 6 و8 بالمئة مقارنة بما كان يمكن أن يحققه الاقتصاد لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
كما أظهرت الدراسة تراجع الاستثمارات بنسبة تراوحت بين 12 و18 بالمئة، وانخفاض الإنتاجية والتوظيف بنسب تراوحت بين 3 و4 بالمئة، وهو ما يعزز، بحسب المراجعة، الرأي القائل إن الانفصال كانت له كلفة اقتصادية مرتفعة.
وعود "استعادة السيطرة"
وكان شعار "استعادة السيطرة" يمثل الركيزة الأساسية لحملة الخروج عام 2016، حيث تعهد مؤيدو بريكست باستعادة السيادة الوطنية وتقليص نفوذ مؤسسات الاتحاد الأوروبي على القرار البريطاني.
لكن عددا من المشاركين في الكتاب يرون أن النتائج جاءت معاكسة لهذه الوعود.
ويشير القاضي والمؤرخ البريطاني جوناثان سامبشن إلى أن قدرة بريطانيا على التحكم في مصيرها أصبحت أكثر محدودية بعد مغادرة الاتحاد، موضحا أن لندن ما تزال تتأثر بالقرارات الأوروبية، لكنها لم تعد تشارك في صنعها.
أما الباحثة مادلين سامبشن، مديرة "مرصد الهجرة"، فتؤكد أن الهجرة، التي كانت القضية الأكثر حضورا في حملة الخروج، لم تنخفض بعد بريكست، بل سجلت مستويات قياسية، معتبرة أن الحكومة أخفقت في تحقيق أحد أبرز وعودها للناخبين.
حتى مؤيدو الخروج يعترفون بالإخفاق
وتبرز المراجعة أن اللافت في الكتاب ليس فقط انتقادات معارضي بريكست، وإنما اعتراف عدد من أبرز مؤيديه بأن التجربة لم تحقق أهدافها.
فدوغلاس كارسويل، أحد أبرز قادة حملة الخروج والنائب السابق عن حزب استقلال المملكة المتحدة، يقر بأن بريطانيا حصلت على حق إدارة نفسها، لكنها "لم تُحسن إدارة نفسها".
كما يصف بول ستيفنسون، المدير الإعلامي السابق لحملة "التصويت للخروج"، الانتصار في استفتاء 2016 بأنه أصبح "انتصارا بطعم مر"، معتبرا أن القوى المؤيدة للخروج فشلت لاحقا في ترجمة النتيجة إلى مشروع سياسي ناجح.
ويرى الاقتصادي باتريك مينفورد، الذي كان من أبرز المدافعين عن بريكست، أن المكاسب الاقتصادية لا تزال مؤجلة، وأن الآثار الإيجابية ستظهر على المدى الطويل، بينما يشكك اقتصاديون آخرون في الكتاب في إمكانية تعويض الخسائر التي تكبدها الاقتصاد البريطاني.
نايجل فاراج.. الحاضر الغائب
ورغم أن الكتاب يضم أكثر من 600 صفحة ومساهمات لعشرات الشخصيات السياسية والأكاديمية، فإن المراجعة تنتقد غياب دراسة مستقلة عن نايجل فاراج، الشخصية التي لعبت الدور الأبرز في تعبئة الرأي العام لصالح الخروج.
ويشير الكاتب الإيرلندي فينتان أوتول إلى أن فاراج لا يزال أحد أكثر السياسيين تأثيرا في المشهد البريطاني، رغم اعتراف نسبة من ناخبي بريكست بأن المشروع لم يحقق أهدافه.

ويستشهد باستطلاع قدمه الباحث بيتر كيلنر، أظهر أن نحو ثلث المصوتين للخروج يعتبرون الآن أن بريكست كان فاشلا، فيما يرى ربع هؤلاء أن فاراج يتحمل مسؤولية هذا الإخفاق، وهي نسبة تفوق من يحمّلون الاتحاد الأوروبي نفسه المسؤولية.
"القومية الإنجليزية".. السؤال الذي تجاهله الكتاب
لكن الانتقاد الرئيسي الذي توجهه المراجعة إلى الكتاب يتمثل في تجاهله ما تصفه بـ"الفيل الموجود في الغرفة"، أي القومية الإنجليزية.
فبحسب أوتول، لم يرد مصطلح "القومية الإنجليزية" سوى مرة واحدة فقط في الكتاب بأكمله، رغم أن إنجلترا، وخاصة مناطقها خارج المدن الكبرى، كانت صاحبة الكلمة الحاسمة في استفتاء 2016.
ويرى أن تجاهل البعد الهوياتي يجعل من الصعب تفسير استمرار صعود التيار الشعبوي، أو فهم الأسباب التي تجعل فاراج لا يزال مرشحا محتملا لتولي رئاسة الحكومة رغم الانتقادات الواسعة لبريكست.
أزمة هوية لم تُحل
وتخلص المراجعة إلى أن بريكست لم يكن مجرد مشروع اقتصادي أو سياسي، بل كان تعبيرا عن أزمة هوية عميقة داخل المجتمع الإنجليزي.
وتستشهد في هذا السياق بدراسات حديثة حول مستقبل إنجلترا، أظهرت أن أنصار فاراج يضعون الهوية الإنجليزية في مقدمة العناصر التي تعرف شخصيتهم، حتى قبل الانتماء الأسري أو المهني.
كما تشير هذه الدراسات إلى أن قطاعا واسعا من هؤلاء لا يزال يشعر بأن إنجلترا فقدت مكانتها التاريخية، وأن بريكست، رغم تحقيقه هدف الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم ينجح في معالجة مشاعر التراجع والإحباط التي دفعت جزءا كبيرا من الناخبين إلى التصويت لصالح الانفصال قبل عشر سنوات.
عقد من بريكست.. والجدل مستمر
ويرى كاتب المراجعة أن الكتاب يقدم تشخيصا مهما للنتائج الاقتصادية والسياسية لبريكست، لكنه يتجنب الخوض في السؤال الأعمق المتعلق بأزمة الهوية التي غذت المشروع منذ البداية.
ويخلص إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان، بالنسبة لكثير من البريطانيين، محاولة للإجابة عن ما يسميه "السؤال الإنجليزي"، غير أن هذه المحاولة لم تُنهِ الجدل، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الانقسام السياسي والاجتماعي، ما يجعل تداعيات بريكست، بعد مرور عقد على الاستفتاء، قضية مفتوحة لم تُحسم نتائجها بعد.
المصدر | عربي21
