في كتابها «ليبيا منذ القذافي: الفوضى والبحث عن السلام» (Libya Since Qaddafi: Chaos and the Search for Peace)، الصادر عن دار جامعة أكسفورد (Oxford University Press) للدبلوماسية الأمريكية السابقة والمبعوثة الأممية الخاصة إلى ليبيا ستيفاني ت. ويليامز (Stephanie T. Williams)، تقدم المؤلفة دراسة استثنائية توثق المسار السياسي والعسكري المعقد لليبيا في مرحلة ما بعد إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011.
تنطلق أطروحة الكتاب من رؤية ميدانية ودبلوماسية مباشرة؛ إذ ترصد ويليامز كيف أدى الغياب التام للمؤسسات الدستورية المستقرة وتفكك الدولة عقب أحداث 2011 إلى حالة من الشظايا السياسية والاجتماعية الشديدة ("انفجار مجتمعي شامل"). وتفكك المؤلفة كيف تضافرت مطامع النخب السياسية المحلية وحالة التكلس المؤسسي مع التدخلات الإقليمية والدولية السافرة لتحويل البلاد إلى ساحة حروب بالوكالة وتثبيت انقسام السلطة بين الشرق والغرب.
تكمن القوة الأساسية للعمل في شهادتها المباشرة كمهندسة ورئيسة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)؛ حيث تتناول الكاتب خلفيات وتفاصيل المفاوضات الشاقة التي قادتها عقب هجوم الجgeneral خليفة حفتر على طرابلس عام 2019. وتوضح ويليامز كيف تم قلب استراتيجية الوساطة الدولية من مقاربة "من الداخل إلى الخارج" إلى منهجية "مؤتمر برلين" ("من الخارج إلى الداخل") لرأب الصدع الدولي وتنسيق المسارات الأمنية والاقتصادية والسياسية الشاملة، مما أسفر في النهاية عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الدائم في أكتوبر 2020 وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
يتناول العمل أيضاً الأبعاد الحديثة والديناميات المستجدة للصراع، محققة في خطورة الدعاية الرقمية، وخطاب الكراهية، والشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى النفوذ المتزايد للميليشيات المسلحة واقتصاد الريع واقتسام الثروة النفطية الذي كرس حالة الفساد وشجع الساسة المحليين على إعاقة إجراء الانتخابات الوطنية حفاظاً على مكتسباتهم.
«ليبيا منذ القذافي» ليس مجرد مذكرات دبلوماسية أو توثيق لأروقة الوساطة الأممية، بل هو تشريح عميق وآليات عملية لتفكيك دورتي الفوضى والانقسام المؤسسي. إنه كتاب يمثل شهادة مرجعية رصينة لكل مهتم بفهم تفاصيل الملف الليبي، واستراتيجيات الوساطة الدولية، والتحديات الجسيمة التي تواجه عملية بناء السلام واستعادة سيادة الدولة الوطنية بعد انهيار الأنظمة الشمولية.













