يقدم كتاب "الهلوسة: تاريخ وفلسفة الإدراك بلا موضوع"، الصادر عن دار نشر إيثاكا في الثاني والعشرين من يناير عام 2025، دراسة فكرية معمقة حول واحد من أكثر أسرار الحواس غموضاً وإثارة للجدل. يبحث هذا المؤلف، الذي جاء بدعم من المركز الوطني الفرنسي للكتاب ومعهد العلوم القانونية والفلسفية بجامعة السوربون، في المفارقة الكامنة خلف قدرة الإنسان على إدراك أشياء غير موجودة في الواقع، ويطرح تساؤلاً فلسفياً حول ما إذا كانت الهلوسة تكشف بطريقة عكسية عن الطبيعة الخفية للإدراك البشري، أو إذا كان الإدراك الطبيعي نفسه مجرد هلوسة "ناجحة". وقد صيغ الكتاب في ثلاثمائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط، وتضمن قائمة مراجع وفهرساً تحليلياً شاملاً، وطُرح بسعر ستة وعشرين يورو.
يتبنى مؤلف الكتاب، الباحث والبروفيسور ماتيو فريرجوان، منهجاً مزدوجاً في التقصي والتحليل؛ حيث يستعرض أولاً التطور التاريخي لمفهوم الهلوسة منذ القرن الثامن عشر، متتبعاً التحولات الفكرية التي طرأت عليه بين مجالات طب العيون، وطب الأعصاب، وعلم النفس. ويبين الباحث أن هذا المفهوم لا يقتصر على الحالات المخيفة المرتبطة بالذهان وسماع الأصوات أو الهلاوس البصرية الناتجة عن الإدمان الحاد، بل يمتد ليشمل طيفاً واسعاً من الظواهر الغريبة التي لا يؤمن المصاب بحتمية وجودها رغم رؤيته لها، مثل ظاهرة "الذباب الطائر" في العين، والرؤى الناتجة عن العقاقير المهلوسة، والخيالات القزمية. ويوظف الكاتب هذا التاريخ الثري لرفد السجال الفلسفي المحتدم حول كيفية الفصل بين الهلوسة والإدراك الحقيقي، مستنداً إلى التطورات المفصلية التي شهدتها "فلسفة اللغة العادية" مع الفيلسوف جون أوستن، ومثيراً تساؤلات حول دلالات كلماتنا حين نتحدث عن "الرؤية"، "الواقع"، "الوهم"، أو "المألوف والغريب"، ومدى مشروعية الاستعانة بالحالات المرضية لتفسير المواقف الحياتية اليومية.
وفي مسعى لتفكيك الاختزال الكامن في الصيغة النفسية الشهيرة التي تعرّف الهلوسة بأنها "إدراك بلا موضوع"، ينسج الكاتب حواراً فكرياً مدهشاً ومبتكراً تجمع صفحاته بين شخصيات متباينة الخلفيات والأزمنة؛ فيلتقي فيه الفنان النرويجي إدفارد مونك، وطبيب نفسي روسي مغمور عانى من الهلوسة وهو قريب للفنان كاندينسكي، مع رواد علم النفس والفلسفة مثل إيسكيرول وفيتغنشتاين، إلى جانب المشاهدين الأوائل الذين أصابهم الرعب عند عرض الأفلام السينمائية الأولى للأخوين لوميير، وقراء الفيلسوف كوندياك، وصولاً إلى الفلاسفة التحليليين الصارمين الذين يتخيلون الأرانب الوردية. يذكر أن المؤلف ماتيو فريرجوان يشغل منصب أستاذ محاضر في الفلسفة بجامعة باريس الأولى (بانتيون - سوربون)، وترتكز جل أبحاثه الأكاديمية على دراسة الإدراك، والهلوسة، والهذيان، انطلاقاً من تاريخ الطب النفسي وفلسفة اللغة العادية.













