يتناول كتاب "آخر الرجال وأولهم" (Last and First Men) للفيلسوف والروائي البريطاني أولاف ستابليدون—في طبعته المختصرة الصادرة ضمن سلسلة "عصر الراديوم" (Radium Age) عن منشورات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press) مع مقدمة نقدية للمفكر ماثيو دي أبيتوا—قراءة تفكيكية وفلسفية-تاريخية تسبر غور المدى الزماني الشاسع للتطور البشري ومصير الحضارة الإنسانية عبر ملياري سنة قادمة. يبتعد الكاتب عن السرديات الخيالية التقليدية التي تركز على مغامرات الأفراد أو الصراعات الفضائية المبسطة، ليقدم أطروحة كاشفة تعيد قراءة أدب الخيال العلمي باعتباره تمريناً في "الأخلاقيات الكونية" ومحاولة لتفكيك غرور الإنسان المعاصر ونزع المركزية عن حضارته الراهنة.
يسلط ستابليدون الضوء على التحولات البنيوية والهياكل المعرفية التي تتداول التحكم في المصير البشري؛ حيث يتتبع تداعي الحضارة الأولى تحت وطأة استنزاف الموارد، والحروب الكارثية، والتقديس الأعمى للتقنية والاستهلاك. يستعرض النص كواليس ظهور الأجيال البشرية المتقدمة عبر الهندسة الجينية والتكيف البيئي؛ بدءاً من الكائنات الذاتية العقول الشاسعة، مروراً بالبشر المهندسين للعيش في المريخ ونبتون، وصولاً إلى "الرجال الأخيرين" الذين يواجهون الفناء الحتمي للشمس. وتبرز مقدمة ماثيو دي أبيتوا الأبعاد الفكرية للسلسلة كاشفة كيف عكس العمل صدمة الحداثة والانهيار الاجتماعي والسياسي بين الحربين العالميتين، وكيف أعاد ستابليدون صياغة النظريات البيولوجية والفلكية لتأسيس "تاريخ بيولوجي-سياسي" يفكك مسلمات التقدم الخطي المستمر.
يتجاوز الكتاب الطرح التنبؤي ليقدم قراءة ميتافيزيقية حادة حول قدرة الإنسان على الصمود والتعالي فوق مآسيه الذاتية. وتبرز أطروحة المؤلف أن القيمة الحقيقية للوجود البشري لا تكمن في البقاء الأبدي أو السيطرة الإمبراطورية على الكون، بل في تطوير وعي أخلاقي وفلسفي أعمق يتقبل الحدود الوجودية والانهيار الحتمي بشجاعة ونبل. ينتهي العمل بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق الفلسفي والصرامة الملحمية، يترك القارئ أمام مرآة كونية تفكك أوهام العصر الرقمي والغرور الحضاري، مؤكداً أن نضج الإنسانية يبدأ من إدراك مكانتها الضئيلة والمؤقتة في نسيج الزمان الكوني.












