في كتاب "الطريقة الأمريكية للقتل" (يصدر في 29 سبتمبر الجاري)، يتناول مالكولم غلادويل، مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك تايمز، بما في ذلك كتاب "التحدث إلى الغرباء" ومقدم البودكاست الحائز على جوائز "التاريخ المنقح"، جوهر أزمة العنف المسلح في أمريكا: من أين نشأت مشكلة العنف في أمريكا؟ ولماذا ثبت أنها صعبة المعالجة؟
منذ كتابه "نقطة التحول" وحتى "الغمضة" وحلقات البودكاست، عاد غلادويل مرارًا وتكرارًا إلى مواضيع الجريمة والشرطة والعقاب. في كتابه "الطريقة الأمريكية للقتل"، يُوسّع غلادويل نطاق تقاريره التي نُشرت في الأصل ضمن سلسلة حلقات "التاريخ المُراجع"، مُضيفًا إليها مقابلات وبحوثًا جديدة.
وينطلق غلادويل من سؤال واسع: لماذا يمكن لطفل أن ينشأ في مجتمع من دون أن يختبر العنف القاتل بصورة مباشرة، بينما يكبر شاب في مكان آخر وقد يفقد عددًا كبيرًا من أصدقائه قبل بلوغه الثلاثين؟ ومن خلال هذا السؤال يحاول الكاتب تفكيك العلاقة الأمريكية المعقدة مع الأسلحة النارية والعنف.
ويعرف غلادويل بأسلوبه الذي يجمع بين السرد القصصي والتحليل الاجتماعي والنفسي، وهو مؤلف كتب ذائعة الصيت مثل "نقطة التحول" و"ومضة" و"المتفوقون". ويقوم أسلوبه عادة على طرح أسئلة كبيرة، ثم البحث عن تفسيرات غير مألوفة عبر قصص وأبحاث من مجالات متعددة.
يقدّم الكتاب عددًا من التصحيحات المهمة للسردية الشائعة حول أزمة الأسلحة في الولايات المتحدة.
ومن أبرز النقاط التي يناقشها غلادويل أن انخفاض الوفيات الناجمة عن إطلاق النار لا يعني بالضرورة انخفاض عدد حوادث إطلاق النار نفسها؛ إذ ساهم تطور الجراحة وطب الطوارئ في إنقاذ مزيد من المصابين الذين كانوا سيفارقون الحياة في السابق.
كما يتوقف عند الجدل الدستوري المتعلق بالتعديل الثاني للدستور الأمريكي، مشيرًا إلى أن مفهوم "الميليشيا" الذي ارتبط تاريخيًا بالنص لم يكن ببساطة تعبيرًا عن حق فردي في امتلاك السلاح لمواجهة الحكومة، بل ارتبط أيضًا بسياقات تاريخية، بينها قمع تمردات العبيد.
ويفرّق الكتاب كذلك بين نوعين من العنف: العنف "التعبيري" الذي ينشأ عن نوبات غضب وانفعال، والعنف "الأداتي" الذي يكون مخططًا له بهدف ارتكاب جريمة أو تحقيق غرض محدد. ويرى أن الجزء الأكبر من جرائم القتل بالأسلحة النارية يقع في الفئة الأولى.
أحد الجوانب التي تبرزها المراجعة هو محاولة غلادويل نقل النقاش من التركيز المفرط على البنادق الهجومية إلى صورة أوسع للعنف المسلح.
فالقتل الجماعي، رغم حضوره الطاغي في الإعلام، يمثل جزءًا محدودًا من إجمالي جرائم القتل بالأسلحة النارية. كما أن احتمال تعرض الشخص للقتل بسلاح ناري على يد شخص يعرفه قد يكون أكبر من احتمال تعرضه لإطلاق النار على يد غريب.
ويشير الكتاب كذلك إلى مفارقة مهمة في النقاش العام: كثير من الأمريكيين ينظرون إلى السلاح بوصفه وسيلة للحماية، في حين أن وجود سلاح في المنزل يرتبط أيضًا بمخاطر إضافية على أفراد الأسرة.
كما يلفت غلادويل إلى أن الانتحار يمثل نسبة كبيرة من الوفيات المرتبطة بالأسلحة النارية، وهي زاوية كثيرًا ما تتراجع خلف الاهتمام السياسي والإعلامي بجرائم القتل الجماعي.
الكتاب يطرح أسئلة مهمة حول التاريخ والقانون والطب والشرطة والأسلحة وعلم النفس، ويصحح بعض التصورات السائدة، لكنه يترك القارئ، وفق يونغ، أمام سؤال أكثر صعوبة: لماذا يستمر العنف المسلح بهذه الصورة في الولايات المتحدة، ومن هم الأشخاص الأكثر تعرضًا له، وما البنية الاجتماعية والسياسية التي تسمح باستمراره؟











