يظل التاريخ الأمريكي يتردد طويلاً أمام شخصية ماري تود لينكولن، زوجة الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة أبراهام لينكولن، والتي وُصفت عبر الأجيال بأنها السيدة الأولى الأكثر إثارة للجدل والغموض في تاريخ البلاد. وفي محاولة جادة لكسر الصور النمطية والكاريكاتيرية التي لاحقتها لعقود كشخصية "مختلة" أو "مفرطة في الإنفاق"، يأتي كتاب "لغز ماري لينكولن: مؤرخون يتناولون السيدة الأولى الأكثر إثارة للجدل في أمريكا" (The Mary Lincoln Enigma: Historians on America's Most Controversial First Lady)، الصادر عن دار نشر جامعة جنوب إلينوي.
الكتاب الذي حرره الباحثان البارزان فرانك جيه ويليامز ومايكل بورخايمر، يمثل منصة بحثية استثنائية تجمع ثلاثة عشر مقالاً علمياً رصيناً صاغها نخبة من المؤرخين والخبراء، لتقديم تشريح عميق وشامل لتعقيدات هذه الشخصية التاريخية من منظورات متعددة تشمل التاريخ، والطب النفسي، والفنون التشكيلية، والمسرح.
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أنه من المستحيل كتابة نسخة نهائية واحدة ترضي الجميع حول حياة ماري لينكولن، نظراً للتباين الحاد في الروايات التاريخية حولها. وعوضاً عن تبني الأحكام الجاهزة، يأخذ المحرران القارئ في رحلة عبر فصول حياتها المختلفة، بدءاً من طفولتها الناتجة عن بيئة أرستقراطية في ولاية كنتاكي ومواجهتها المبكرة لواقع العبودية، مروراً بطبيعة زواجها من أبراهام لينكولن وتحليل ما إذا كانت العلاقة بينهما مجرد شراكة سياسية طموحة أم قصة حب معقدة. كما يسلط الكتاب ضوءاً جديداً على الجوانب الإنسانية المخفية في حياتها، مثل ولعها بالأزياء والسفر، وجهودها غير المنشورة في دعم الجنود وإعانة العبيد المحررين، وصولاً إلى المأساة الكبرى المتمثلة في اغتيال زوجها أمام عينيها، وفقدانها لثلاثة من أبنائها في سن مبكرة، مما قادها في النهاية إلى مواجهة محاكمة شهيرة بتهمة الجنون حركها ابنها الوحيد المتبقي، روبرت.
ما يميز هذا العمل ويجعله إضافة نوعية للمكتبة التاريخية هو التنوع المنهجي الفريد في معالجة "اللغز"؛ حيث لا يقتصر التحليل على السرد التاريخي التقليدي، بل يمتد ليشمل قراءة نفسية متخصصة تدرس الاضطرابات والمآسي التي عانت منها، إلى جانب دراسة الكيفية التي صُورت بها ماري في الروايات الأدبية والفنون الجرافيكية التي ساهمت في تشويه أو تجميل صورتها العامة. نجح فرانك ويليامز ومايكل بورخايمر في تقديم كتاب يتجاوز لغة الأحكام المطلقة، ليقدموا بدلاً منها صورة "كاليدوسكوبية" متعددة الأبعاد تظهر ماري لينكولن كامرأة، وزوجة، وأم، وسياسية عاصرت واحدة من أحلك الفترات في تاريخ الولايات المتحدة، مما يجعله كتاباً لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية وسير الشخصيات العظمى.













