يأتي كتاب "الاقتلاع: عمارة الإبادة الجماعية" (Ungrounding: The Architecture of Genocide) للمعماري والباحث الفلسطيني-الإسرائيلي إيال وايزمان، الصادر عام 2026، ليمثل تحولاً بنيوياً في فهم وتحليل حرب الإبادة الممنهجة في قطاع غزة وفلسطين. وايزمان، بوصفه مديراً لمنظمة "الهندسة المعمارية الجنائية" (Forensic Architecture)، لا يقرأ الحرب كأحداث سياسية أو عسكرية عابرة، بل يفككها كجريمة مكانية وعمرانية هندسية تستهدف إعادة تشكيل الأرض لتسهيل محو الوجود الفلسطيني.
يتميز الكتاب بجرأته في تقسيم التحليل المكاني إلى ثلاث طبقات جيوسياسية وعمرانية، ترتبط تاريخياً من نكبة عام 1948 وصولاً إلى الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023:
1. التربة (Soil):
في هذا الجزء، يناقش وايزمان السطح المرئي من الأرض. يحلل الكاتب كيف تحولت الجرافات والآليات العسكرية إلى أدوات أساسية في الإبادة الجماعية، حيث جرى تسوية أحياء كاملة بالأرض، ومحو المعالم التاريخية، وجرف الأراضي الزراعية واقتلاع أشجار الزيتون. "التربة" هنا ليست مجرد تراب، بل هي الهوية والشواهد المادية على الوجود الإنساني التي يسعى الاحتلال لإزالتها لفرض واقع جغرافي جديد يُلغي الماضي.
2. باطن الأرض (Subsoil):
ينتقل الكاتب عمودياً إلى الأسفل ليناقش "باطن الأرض" كساحة حرب معقدة. يركز هذا الفصل على شبكات الأنفاق في غزة، وكيف تحول باطن الأرض إلى ملجأ للمقاومة والحياة ومستودع للموت في آن واحد. يوضح وايزمان كيف طوّر الاحتلال تكتيكات "العمارة الجوفية"، مستخدماً القنابل الارتجاجية الخارقة للحصون، وضخ مياه البحر، مستهدفاً البيئة التحتية لغزة لضرب مقومات الحياة فوق الأرض وتحتها، وتحويل الجيولوجيا نفسها إلى سلاح تدميري.
3. الاقتلاع (Ungrounding):
وهو المفهوم الجوهري الذي يحمل الكتاب اسمه. يعرّف وايزمان "الاقتلاع" بأنه تجاوز تدمير المباني إلى تدمير الإحداثيات الجغرافية والمعرفية للمكان. لم يعد الأمر مجرد هدم منزل، بل جعل الأرض غير قابلة للحياة أو السكن عبر طمس معالم الشوارع، وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي، وإنشاء مناطق عازلة وممرات عسكرية تقسم القطاع (مثل ممر نتساريم). هذا المستوى من التدمير يسلب الناجين قدرتهم على التوجّه المكاني أو العودة إلى مناطقهم، مما يعمق أثر التهجير القسري.
يعتمد وايزمان في أطروحته على البيانات الرقمية، وصور الأقمار الصناعية، والنماذج ثلاثية الأبعاد التي طورتها منظمته. يثبت الكتاب أن تدمير المستشفيات، والجامعات، والمساجد، والبنى التحتية ليس "أضراراً جانبية" للعمليات العسكرية، بل هو استراتيجية عمرانية متعمدة تهدف إلى محو مقومات الحضارة والحياة المدنية (المعروف بمصطلح Urbicide أو قتل المدينة) كجزء لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية.
يمثل كتاب "الاقتلاع" وثيقة إدانة فكرية وحقوقية بالغة الأهمية. إنه يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الجدران، والأنقاض، والخرائط. ينجح وايزمان في تقديم قراءة عميقة تكشف كيف تحولت الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري من أدوات للبناء والرفاه البشري، إلى أدوات استعمارية فتاكة تُستخدم لهندسة الموت، واقتلاع شعب من أرضه وتاريخه، مما يجعله مرجعاً أساسياً لفهم الأبعاد المكانية للصراعات الحديثة.












