يتناول كتاب "الماركسية الغربية: كيف ولدت، كيف ماتت، وكيف يمكنها أن تولد من جديد" للكاتب والفيلسوف الإيطالي الراحل دومينيكو لوسوردو (Domenico Losurdo)، الصادر بالفرنسية عن دار "Les Éditions de la Librairie Tropiques" في أغسطس 2026، مراجعة نقدية وتاريخية حادة لتيار الماركسية الغربية وعزلته المفاهيمية والسياسية مقارنة بالماركسية الشرقية وحركات التحرر العالمية. يطرح لوسوردو في كتابه هذا أطروحة جريئة ومثيرة تنص على أن الماركسية الغربية قد انحرفت عن جوهرها المناهض للإمبريالية وسقطت في فخ الطوباوية، ويقدم رؤية لكيفية استعادة بريقها.
يقسم لوسوردو أطروحته التاريخية إلى ثلاثة مسارات ديناميكية متكاملة تكشف سر صعود هذا التيار وأسباب أفوله:
كيف ولدت (النشأة): يرى لوسوردو أن الماركسية انقسمت تاريخياً إلى خطين شرقي وغربي مدفوعة بأزمة عام 1914 (الحرب العالمية الأولى) ثم اندلاع ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917. تشكلت الماركسية الغربية في البداية كاستجابة نظرية داخل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة.
كيف ماتت (الأفول والانحراف): يحلل الكاتب مظاهر موت هذا التيار سياسياً ونظرياً، عازياً ذلك إلى انفصال الماركسية الغربية عن النضال العالمي المناهض للاستعمار والإمبريالية – وهو التحول الحاسم للقرن العشرين. ويرى أنها تميزت بخصائص سلبية مثل: "المسيحانية السياسية"، و"الشوفينية الأوروبية المركزة"، والنزوع نحو المثالية الطوباوية والعداء غير العقلاني للحداثة والدولة، والوقوع تحت تأثير الأيديولوجيات الإمبريالية السائدة.
كيف يمكنها أن تولد من جديد (البعث): يطرح المؤلف شروطاً حاسمة لإعادة إحياء الماركسية الغربية، على رأسها فك الارتباط الفكري والسياسي مع الهيمنة الإمبريالية الغربية، وإعادة التلاحم مع قضايا العالم الثالث والشعوب المضطهدة خارج القاريفرد لوسوردو مساحات واسعة لنقد كبار فلاسفة الغرب الذين نُسبوا إلى اليسار أو الماركسية، موضحاً كيف ساهموا في إضعاف التيار:
مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر): ينتقد غرقهم في نقد الحداثة والعقلانية وتشاؤمهم الفكري الذي شل القدرة على الفعل السياسي الواقعي.
النظرية الفرنسية وأتباعها (فوكو، ألتوسير، باديو): يرى أن طروحاتهم فككت مفهوم الطبقة وحولته إلى صراعات هامشية منفصلة عن حركة التاريخ الصراعي ضد الإمبريالية.
الفلاسفة المعاصرون (جيجيك، هاردت، نيغري، أغامبين): يهاجم تبنيهم لمفاهيم طوباوية مثل "الجمهور" أو "المسيحانية" دون بديل ثوري منظم وقابل للتطبيق على أرض الواقع.
ينص تقرير لوسوردو على أن الماركسية تظل "الفلسفة التي لا يمكن تجاوزها في عصرنا" (بتعبير سارتر)، لكن انبعاثها في الغرب مشروط بتخلص يساره الأكاديمي من الغطرسة الأوروبية والاندماج مجدداً في خنادق الدفاع عن قضايا التحرر والسيادة للشعوب النامية.












