يُعد كتاب Who Paid the Pipers of Western Marxism? للبروفيسور غابرييل روكهيل (أستاذ الفلسفة والدراسات العالمية في جامعة فيلانوفا) واحدًا من أكثر الكتب إثارة للجدل والنقاش في الأوساط الأكاديمية واليسارية المعاصرة. يستند عنوان الكتاب إلى المثل الإنجليزي الشهير "من يدفع لعازف المزمار يملك حق اختيار اللحن"، ليطرح الكاتب من خلاله أطروحة جريئة وصادمة: إن الفكر المعروف بـ "الماركسية الغربية" (وتحديداً مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية) لم يكن حركات ثورية مستقلة، بل جرى دعمه وتوجيهه ماليًا ومؤسساتيًا من قبل الطبقة الرأسمالية الحاكمة وأجهزة الاستخبارات الأمريكية لتفكيك الماركسية اللينينية الثورية الحقيقية.
الكتاب يقع في نحو 416 صفحة، ويمثل الجزء الأول من ثلاثية مخصصة لتفكيك ما يسميه روكهيل "صناعة النظرية العالمية".
يجادل روكهيل بأن جهاز الدولة الإمبراطوري الأمريكي (خاصة وكالة الاستخبارات المركزية CIA) والمؤسسات الرأسمالية الكبرى (مثل مؤسسات فورد، راكفلر، وكارنيجي) أدركوا مبكراً خطورة الفكر الماركسي التقليدي الملتزم ببناء الاشتراكية على أرض الواقع وعلاقات الإنتاج. بدلاً من حظر الماركسية تماماً، عملت هذه الجهات عبر واجهات ثقافية مثل "منظمة الحرية الثقافية" على تمويل وترقية نوع معين من الماركسية الأكاديمية المنفصلة عن النضال العمالي الفعلي والتحرر الوطني، وهي ماركسية تركز على النقد الثقافي المجرد وتناهض الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الفتيّة. هذا المفهوم يُطلق عليه روكهيل "اليسار المتوافق" مع النظام الرأسمالي.
يقدم الكاتب ما يسميه "تاريخاً مضاداً ومفصلاً لمدرسة فرانكفورت"، مركزاً على روادها مثل ثيودور أدورنو، ماكس هوركهايمر، وهيربرت ماركوزه. يكشف من خلال أبحاثه الأرشيفية كيف حظيت هذه المدرسة بدعم مباشر من مؤسسات برجوازية كبرى. كما يركز على علاقة بعض روادها بجهاز الدولة الأمريكي، مثل عمل ماركوزه في "مكتب الخدمات الاستراتيجية" (OSS) الذي تحول لاحقاً إلى الـ CIA. النتيجة التحريرية لتلك المدارس الفكرية كانت استبدال "المادية الجدلية والتاريخية" (الأداة الماركسية الكلاسيكية لتغيير العالم) بنظريات نقدية تفكيكية تؤدي إلى حالة من الشلل السياسي والعجز عن التنظيم الفعلي.
يوضح روكهيل أن عالم الأفكار والنظريات هو ساحة رئيسية لـ "الصراع الطبقي". فمن خلال تشجيع وترويج النظريات الأكاديمية المعقدة والغامضة داخل الجامعات، تمكنت الهيمنة الإمبراطورية من عزل المثقفين والطلاب عن الثورات الشعبية الحقيقية (مثل الثورة الكوبية وحركات التحرر في الجنوب العالمي)، وتصوير تلك الحركات الثورية على أنها حركات سلطوية وشائهة، وبالتالي حماية النظام الرأسمالي العالمي من أي تهديد راديكالي حقيقي. أصداء الكتاب وردود الأفعال (الجدل الأكاديمي)
حظي الكتاب باهتمام هائل وتراوحت ردود الأفعال حوله بين تأييد مطلق من اليسار المناهض للإمبريالية، وهجوم حاد من الأوساط الأكاديمية التقليدية:
المؤيدون (مثل جون بلامي فوستر): رأوا في الكتاب أداة نقد ذاتي لا غنى عنها لإعادة بناء الفكر الماركسي الفعلي للقرن الحادي والعشرين. واعتبروا أن روكهيل نجح في تطوير نقد الفيلسوف جورج لوكاش الذي وصف الماركسيين الغربيين سابقاً بأنهم يعيشون في "فندق الهاوية الكبير" (Grand Hotel Abyss) حيث يتفرجون على مآسي الرأسمالية من برج عاجي دون الرغبة في تغييرها، بل إن روكهيل أثبت أن الإقامة في هذا الفندق مدفوعة الأجر.
النقاد (مثل ريتشارد غيلمان-أوبالسكي وتشارلز رايتز): اتهموا روكهيل بالاختزالية والاعتماد على قراءة تآمرية للتاريخ الأكاديمي. وجادلوا بأنه يبالغ في تفسير الروابط المالية البسيطة أو العمل الحكومي المؤقت لبعض المفكرين (مثل ماركوزه) ليوجه اتهاماً بالعمالة لنظرية نقدية كاملة. واعتبروا أن كتابات أدورنو وماركوزه كانت وما زالت تلهم الحركات الاحتجاجية المناهضة للرأسمالية، ولا يمكن اعتبارها مجرد أداة استخباراتية.
كتاب يمثل صدمة فكرية وثائقية تعيد فتح النقاش القديم الجديد حول دور المثقف وعلاقته بالسلطة والمال والتنظيم السياسي. إنه ليس مجرد كتاب تاريخي، بل مشروعاً يسعى من خلاله الكاتب لإحياء "ماركسية حقيقية، مناهضة للاستعمار والإمبريالية وملتزمة ببناء الاشتراكية على أرض الواقع".












