تخطى للمحتوى الرئيسي
 البراجماتية أو مذهب الذرائع

البراجماتية أو مذهب الذرائع

22 يونيو 2026

تنطلق الإشكالية المركزية للكتاب من الفجوة القائمة بين التنظير الفلسفي المجرد والواقع العملي المعيش، حيث يعاني القارئ العادي من استعصاء فهم المذاهب الفلسفية لابتعادها عن شؤون حياته اليومية. يطرح المؤلف "البراجماتية" بوصفها تياراً فكرياً حديثاً يتجاوز هذه الصعوبة، محاولاً جسر الهوة بين النظريات الفلسفية والأمور العملية، ليعيد تعريف الفلسفة كأداة وظيفية تتصل بحياة الإنسان وتجاربه ارتباطاً وثيقاً.

المحاور والأفكار الأساسية

— العلم والفلسفة في سياق تطور التفكير الإنساني

يبدأ المؤلف بتتبع الجذور العميقة للتفكير الإنساني، مشيراً إلى أن الإنسان الأول كان مدفوعاً بغريزة البقاء، متمحوراً حول سؤال "كيف" ليحفظ حياته من قسوة الطبيعة المروعة (ص 13). ومع استقرار الإنسان نسبياً وشعوره بالطمأنينة، ظهر سؤال "لماذا" كفاتحة عهد جديد للبحث في العلل والغايات الكامنة وراء الوجود (ص 15). يفكك المؤلف وظيفة العلم بوصفه نشاطاً يهتم بالوسائل القريبة ويجيب عن سؤال "كيف"، حيث يكتفي بجمع الحقائق، وصف الظواهر، واستنباط القوانين العامة لها (ص 24)، دون أن يتطرق إلى الغاية القصوى من الكون. في المقابل، تبرز وظيفة الفلسفة في محاولة فهم الكون فهماً كلياً والبحث في القضايا التي لا تقع في دائرة العلم التجريبي المباشر (ص 25). يبرهن المؤلف على ضرورة الدراسات الفلسفية مبيناً أن الإنسان مفطور على تقدير الأشياء ووزنها، ولا يقتصر وجوده على الجانب المادي كآلة صماء، بل تحركه "عالم القيم" المعنوية والمثل العليا التي لا يستطيع العلم إخضاعها لمقاييسه المادية (ص 36).

صورة
— أزمة المعرفة وقصور المدارس التقليدية

ينتقل الكتاب لمعالجة "نظرية المعرفة" (Epistemology) كقضية مركزية، متسائلاً عن كيفية وصول العقل الإنساني إلى اليقين والحقيقة. يستعرض المؤلف المدارس الكبرى التي حاولت تأصيل المعرفة، مبيناً التناقضات والقصور المتأصل في كل منها. يحلل بداية "الطريقة الصوفية" التي تدعي تلقي المعرفة عبر طريق خفي وإلهام داخلي، موضحاً أنها تفتقر إلى معيار موضوعي للاختبار وتعتمد على "حالات نفسية" لا يمكن تبريرها بالمنطق العادي (ص 84). ثم يفكك "الطريقة العقلية" (Rationalism) التي تعلي من شأن المبادئ البديهية المجردة، مستدلاً على أن العقل قد يشيد في مخيلته أنظمة متماسكة منطقياً لكنها لا تتطابق مع الواقع الفعلي للأشياء، مما يجعل أحكامه عرضة لخداع الخيال (ص 98). ويناقش لاحقاً "الطريقة الاختبارية" (Empiricism) التي تعتمد كلياً على الحواس لمعرفة العالم الخارجي، مؤكداً أن الحواس تقصر وتخدع، وأنها تنقل صوراً مشوهة لا تعكس الحقيقة في ذاتها (ص 114). وينتهي هذا التفكيك الشامل إلى بيان كيف أفضت إخفاقات هذه المدارس مجتمعة إلى ظهور "النظرية اللاأدرية" التي تشكك جذرياً في قدرة العقل البشري على بلوغ الحقائق المطلقة وإدراك الأشياء في كنهها (ص 123).

— البراجماتية وتأسيس معيار المنفعة والعمل

تأسيساً على مأزق نظرية المعرفة، يطرح المؤلف المذهب البراجماتي كحل ديناميكي لجمود الفلسفات السابقة. يتتبع نشأة المذهب على يد تشارلز بيرس، مروراً بويليام جيمس الذي نشره، وصولاً إلى جون ديوي الذي طوعه تحت مسمى "الآلية" أو الأداة (Instrumentalism) (ص 133-146). يؤسس هذا المحور للقاعدة البراجماتية الصلبة: إن الفكرة لا تُقاس بصحتها التجريدية في الفراغ، بل بمدى نجاحها في التطبيق وتأثيرها على السلوك. يفكك المؤلف نظرة المذهب لـ"قصة الحواس" و"قصة العقل"، مستنداً إلى التفسير البيولوجي التطوري؛ فالجهاز الإدراكي للإنسان لم ينشأ ليكون كاميرا فوتوغرافية تعكس الحقائق المطلقة للكون، بل تطور كأداة حيوية غايتها الحفاظ على حياة الكائن وتوجيه سلوكه لحل مشكلات البيئة (ص 154). بناءً على ذلك، يصبح الفكر والعقل مجرد أداة لتجاوز العقبات، ولا توجد حقائق نهائية معزولة عن التجربة الإنسانية، بل إن "المعاني لا تتضح إلا بالعمل" والنتائج الملموسة.

— تفكيك مفهوم الحق والتقييم النقدي للمذهب

يعالج هذا المحور إعادة التعريف الراديكالية التي قدمتها البراجماتية لمفهوم "الحق" أو الحقيقة (Truth). يعرض المؤلف كيف يرفض المذهب الفكرة التقليدية القائلة بأن الحق هو التطابق الساكن بين الفكرة والواقع الثابت، مستبدلاً إياها بحق حركي متجدد؛ فالفكرة ليست حقة في ذاتها، بل "تصير" حقة متى اجتازت امتحان التجربة العملية وأدت إلى نتائج مرضية في تكييف الإنسان مع محيطه (ص 216). يبرز المؤلف أن الاعتقاد وفق هذا المفهوم هو محض خُطة مرسومة للعمل، وأن الفكرة التي تصدق هي الفكرة التي تدفعنا بنجاح وتيسر مسارنا. في المقابل، يطرح المؤلف بإنصاف النقد الفلسفي الموجه للبراجماتية، كاتهامها بأنها تلغي الحقيقة الموضوعية، وتُخضع المنطق للرغبات الذاتية والنجاح المادي البحت، مما قد يبرر الأخطاء والقصور الأخلاقي طالما أنها "نافعة" (ص 258).

المصدر | سالم يفوت

شارك المقالة على...

FacebookXLinkedInWhatsAppTelegram

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!