
في هذا السياق، يلفت تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية اليوم الخميس، الانتباه إلى مشروع أدبي وفكري غير مألوف أنجزه الكاتب والمسرحي الألماني فولفرام لوتس، الذي أمضى سنوات في جمع آلاف الأحلام المنشورة في منتديات إلكترونية بأكثر من خمس وعشرين لغة أوروبية، قبل أن يصوغها في كتاب حمل عنوان "أحلام في أوروبا". غير أن أهمية هذا المشروع لا تكمن في غرابة الأحلام أو طرافتها، وإنما في النتيجة التي يخلص إليها المؤلف: اللاوعي الأوروبي نفسه يبدو وقد فقد ميله إلى الدراما، وأصبحت الأحلام، شأنها شأن الحياة اليومية، تنتهي غالبًا إلى لا شيء.
هذه الملاحظة تبدو، للوهلة الأولى، مجرد انطباع أدبي، لكنها تكتسب أبعادًا حضارية حين تتكرر بالصيغة نفسها في مئات النصوص. فالأحلام تبدأ بمطاردات، أو بكائنات خارقة، أو بكوارث تاريخية، أو بمواجهات مصيرية، لكنها تنتهي على نحو باهت؛ امرأة تطاردها مجموعة من القتلة، ثم تجلس معهم لمشاهدة التلفاز قبل أن تغادر؛ وأخرى تكتشف أنها مسؤولة عن واحدة من أكبر جرائم التاريخ، لكنها تقطع تأملها الأخلاقي لأنها تذكرت موعد مقابلة عمل؛ ورجل يلتقي كائنًا غامضًا يعده بكشف معنى الوجود، قبل أن يختفي ببساطة، فيعود الحالم إلى الاعتناء بحديقته.
ليست القضية هنا في غرابة الأحلام، فالأحلام بطبيعتها تنتمي إلى عالم العبث واللامنطق، وإنما في البنية السردية التي تتكرر فيها جميعًا؛ إذ تبدأ الأحداث وكأنها تمهد لتحول وجودي أو مواجهة كبرى، ثم تتلاشى فجأة داخل تفاصيل الحياة اليومية. وكأن الخيال الأوروبي لم يعد قادرًا حتى في أكثر فضاءاته تحررًا على تجاوز الإيقاع الرتيب للعالم الحديث.

ومن هنا، يمكن قراءة هذه الأحلام بوصفها انعكاسًا لحضارة بلغت درجة عالية من التنظيم، لكنها تعاني في الوقت نفسه من تآكل الأفق الوجودي. فالفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، حين أعلن أن "الإله قد مات"، لم يكن يتحدث عن العقيدة الدينية وحدها، بل عن انهيار المرجعية الكبرى التي كانت تمنح الإنسان معنى يتجاوز حياته اليومية. ومنذ ذلك الإعلان، ظل الفكر الأوروبي يبحث عن بدائل: مرة في العقل، وأخرى في العلم، وثالثة في التقدم، ثم في الحرية الفردية. غير أن الأحلام التي يعرضها لوتس توحي بأن هذه البدائل لم تنجح في إعادة إنتاج السردية الكبرى، بل دفعت الإنسان إلى التعايش مع عالم بلا ذروة، وبلا خلاص، وبلا انتظار لحدث يتجاوز تفاصيل اليوم العادي.
ولعل أكثر ما يلفت في هذه الأحلام أنها لا تعكس خوفًا من المستقبل بقدر ما تعكس نوعًا من الاستسلام للحاضر. حتى الكوابيس لا تكتمل، وحتى الوحوش لا تمارس دورها التقليدي، وحتى الشعور بالذنب التاريخي يذوب أمام جدول المواعيد وضغط الوظيفة. وكأن الحياة اليومية أصبحت تمتلك سلطة هائلة على المخيلة، فلم تعد تسمح حتى للاوعي بأن ينفلت من منطقها البيروقراطي.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه القراءة بحذر. فالكتاب لا يقدم دراسة علمية عن الأوروبيين، ولا يدعي تمثيل اللاوعي الجمعي للقارة، إذ إن مادته مأخوذة من أشخاص اختاروا نشر أحلامهم على الإنترنت، ثم أعاد المؤلف تحريرها وصياغتها أدبيًا. ولذلك فإن قيمته الحقيقية ليست في تقديم نتائج قابلة للتعميم، وإنما في فتح باب للتأمل في العلاقة بين البنية الحضارية والخيال الإنساني، وبين شكل الحياة اليومية وطبيعة الأحلام التي تنتجها.
ولعل السؤال الأهم الذي يثيره الكتاب لا يتعلق بأوروبا وحدها، وإنما بكل المجتمعات: هل تتغير الأحلام بتغير الحضارات؟ وهل يعكس اللاوعي صورة العالم الذي نعيش فيه، أم أنه يحتفظ بمسافة من الحرية تسمح له بمقاومة هذا العالم؟ وإذا كانت أوروبا، كما توحي هذه الأحلام، قد وصلت إلى مرحلة يغلب فيها النظام على المغامرة، والإدارة على البطولة، والروتين على الأسطورة، فإن ذلك يفتح الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الحضارة الغربية نفسها: هل يمكن لحضارة فقدت قدرتها على الحلم الكبير أن تستعيد قدرتها على إنتاج معنى جديد، أم أن أفول السرديات الكبرى بات السمة الأكثر رسوخًا في وجدانها؟
قد لا يقدم كتاب "أحلام في أوروبا" إجابة حاسمة عن هذه الأسئلة، لكنه ينجح في لفت الانتباه إلى أن الحضارات لا تعبّر عن نفسها في كتب الفلسفة وحدها، بل ربما تعبّر عن ذاتها أيضًا في تلك الصور العابرة التي تتسلل إلى الإنسان وهو نائم، حيث يظهر اللاوعي أحيانًا أكثر صدقًا من الخطابات الرسمية، وأكثر قدرة على التقاط الأزمات الصامتة التي لا تراها المؤشرات الاقتصادية ولا تكشفها استطلاعات الرأي.
المصدر | عربي 21

