"ضد مجتمع القلق": كتاب جديد لبيونغ تشول هان يفكك آليات استغلال الخوف في النظام النيوليبرالي ويطرح "ثورة الأمل" ترياقاً لإنقاذ الوجود الإنساني
شهدت الأوساط الفلسفية والفكرية العالمية صدور المؤلف الجديد للفيلسوف الكوري الألماني البارز بيونغ تشول هان، والذي يحمل عنوان "Contro la società dell'angoscia. Speranza e rivoluzione" (ضد مجتمع القلق: الأمل والثورة)، والصادر باللغة الإيطالية عن دار النشر العريقة إيناودي ضمن سلسلة "ستيلي ليبيرو إكسترا" في مائة واثنتي عشرة صفحة من القطع المتوسط، وبتوقيع المترجم المتميز أرماندو كانزونييري. يأتي هذا العمل الفلسفي المكثف والجريء ليمثل صرخة نقدية مدوية تحاكي تشريح العصر الحالي، حيث يطرح هان أطروحة مركزية تفيد بأن القلق المعاصر لم يعد مجرد اضطراب نفسي عابر يصيب الأفراد بشكل معزول، بل تحول إلى شبح حقيقي يحوم فوق العالم، وأداة هيمنة سياسية واقتصادية ممنهجة تمت هندستها بدقة من قبل النظام الرأسمالي المعولم لترويض المجتمعات وتحويل الخوف الوجودي من الفشل إلى وقود حيوي لمضاعفة الإنتاجية ومراكمة الأرباح. ويقود الفيلسوف القارئ عبر فصول كتابه لإدراك أن الاستسلام لهذا الواقع الخانق يعني مقايضة إنسانيتنا بوجود آلي باهت، مؤكداً أن الأمل الجذري والثورة الفكرية هما السبيلان الوحيدان لاستعادة الحياة الحقيقية التي تتجاوز بكثير مجرد الصراع اليومي البائس من أجل البقاء على قيد الحياة.
ينطلق هان في هذا المصنف من مراجعة وتطوير لأطروحاته الشهيرة السابقة حول "مجتمع الاحتراق النفسي"، معلناً الانتقال إلى مرحلة أكثر شراسة وعنفاً يسميها "نظام القلق". يوضح المؤلف بكثير من العمق والتحليل المفاهيمي أن النظام النيوليبرالي المعاصر نجح في عزل الأفراد عن محيطهم الاجتماعي وتدمير الروابط التضامنية المجتمعية من خلال فرض صيغة تدميرية تحول كل إنسان إلى "رائد أعمال لنفسه". هذه العقلية الشركاتية التي يجري إسقاطها على الذات البشرية تفرض على الفرد أن يكون في حالة تنافس دائم ومستمر ليس مع الآخرين فحسب، بل مع نفسه أيضاً، حيث يصبح مطالباً بالوصول إلى أقصى درجات الأداء والمثالية السلوكية والمهنية. ومن رحم هذا الضغط الإنجازي الرهيب، يولد قلق بنيوي مرعب، وهو الخوف المزمن من الإخفاق، أو العجز عن مواكبة الإيقاع المتسارع للسوق، أو عدم مضاهاة تطلعات وأحكام المجتمع الرقمي المعاصر. ويثبت هان أن هذا القلق بالذات ليس خللاً في النظام، بل هو القوة المحركة الأساسية له؛ فالخوف من السقوط هو ما يدفع الأفراد إلى العمل حتى الإنهاك الشديد والتطوير الذاتي القسري مستسلميين لاستغلال ذواتهم طوعاً ودون الحاجة إلى أدوات قمع خارجية ظاهرة.
ويغوص الكتاب عميقاً في الجانب السياسي لإدارة الخوف، كاشفاً كيف يتجلى القلق كأداة طيعة وفعالة للغاية في يد قوى السلطة والهيمنة الحديثة. يرى بيونغ تشول هان أن نشر مناخ دائم من عدم اليقين، سواء عبر تضخيم الأزمات الاقتصادية، أو استغلال المخاوف المناخية والبيئية، أو إغراق الفضاء العام بالتهديدات الوجودية المستمرة، يساهم في جعل الشعوب أكثر طاعة وقابلية للامتثال والابتزاز السياسي. فالإنسان المستغرق في قلقه وفزعه اليومي يميل غريزياً إلى التخلي عن حريته السياسية ونزوعه النقدي في مقابل الحصول على وعود وهمية بالأمان والاستقرار الاقتصادي؛ ونتيجة لذلك، يختنق الفكر الثوري، وتتلاشى القدرة على الاحتجاج الجماعي، ويتحول المواطنون من فاعلين سياسيين يطمحون لتغيير هيكل العالم إلى رعايا خائفين يبحثون عن النجاة الفردية وسط أمواج الأزمات المتلاحقة. هذا التوظيف الذكي للألم النفسي يمثل، بحسب الكتاب، الانتصار الأكبر للرأسمالية التي استطاعت تحويل البنية السيكولوجية والبيولوجية للبشر إلى مساحة شاسعة للتحكم والضبط البيروقراطي الناعم.
ولا يكتفي الفيلسوف برصد الاختلالات أو تقديم مرثية للوضع البشري المأزوم، بل يحمل كتابه نبرة نابضة بالثقة ويقظة الضمير، تطالب باستعادة السلاح الفلسفي الأقوى وهو "اليوتوبيا والأمل الجذري". يوضح هان أن الأمل الذي يدعو إليه ليس مجرد تفاؤل سطحي ساذج أو انتظار سلبي للفرج، بل هو فعل ثوري مفعم بالطاقة السياسية والمدنية، وقائم على إمكانية تخيل بدائل إنسانية مغايرة تماماً للنظام القائم. إننا نعيش في عصر يتم فيه إقناعنا بأن النمط الاقتصادي والاجتماعي الحالي هو القدَر الوحيد الحتمي للبشرية، وهو ما يصفه هان بـ"الحاضر الأزلي المفرط بالمعلومات" الذي يسحق الماضي ويلغي المستقبل. لذلك، فإن العودة إلى التفكير اليوتوبي تمثل الخرق الأول لجدار الهيمنة، حيث يتيح الأمل للإنسان المعاصر كسر حلقة القلق المفرغة، والتوقف عن رؤية نفسه كضحية عاجزة، والبدء في صياغة سردية جماعية تمنح المعنى للوجود الإنساني وتعيد إحياء قيم التعاطف المشترك، والتضامن العريق بين البشر بعيداً عن منطق السلعة والمنفعة الضيقة.
ويطرح هان في الفصول الأخيرة من هذا العمل الممتع خريطة طريق وجودية وعملية للتحرر من أسر مجتمع القلق، مرتكِزاً على فكرة "استعادة مساحات الصمت" والتباطؤ المتعمد أمام زحف الآلية المعاصرة. يرى الكاتب أن القدرة على الابتعاد خطوة إلى الوراء، وممارسة الانفصال المؤقت عن الضغوط الأدائية، ورفض التقييم المستمر للذات، تمثل أدوات للمقاومة الثقافية والسياسية في عالم محكوم بالسرعة والإنتاج اللامتناهي. الصمت والتباطؤ هنا ليسا هروباً من الواقع أو انكفاءً على الذات، بل هما شرطان أساسيان لاستعادة القدرة على التفكير النقدي العميق، والإنصات الحقيقي للآخر، وبناء علاقات إنسانية أصيلة لا تخضع لشروط التنافسية النيوليبرالية. من خلال هذه الممارسات البسيطة والجذرية في آن واحد، يمكن للأفراد إعادة بناء الفضاء العام وتأسيس جماعات تضامنية حقيقية قادرة على مواجهة توحش السوق وحفظ السيادة الروحية والنفسية للإنسان في وجه محاولات التشييئ والتدجين الرقمي المستمرة.
حظي كتاب "ضد مجتمع القلق" بإشادات نقدية بالغة الرفع فور صدوره في المكتبات الأوروبية، حيث وصفت وسائل الإعلام والمجلات الفلسفية المتخصصة أطروحة هان بأنها العمل الأكثر حيوية وتأثيراً في مسيرته الفكرية، لكونه يجمع ببراعة فريدة بين حدة السخط والنقد البنيوي الصارم وبين بث الأمل وبناء الثقة في الطاقات البشرية المكبوتة. لقد نجح بيونغ تشول هان في كتابة مانيفستو فلسفي شديد الأهمية في توقيت كوني بالغ الحرج، متجاوزاً حدود التنظير الجاف ليخاطب الوجدان الإنساني مباشرة، محذراً من أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد يتعلق بصراع الأنظمة السياسية التقليدية، بل يدور حول إنقاذ الروح البشرية وقدرتها على الحلم والحرية، مما يجعل هذا المؤلف دليلاً استراتيجياً ملهماً وباعثاً على اليقظة لكل المجتمعات التي تسعى لكسر قيود الخوف وصناعة غد أكثر عدلاً وإنسانية.











