يمثل كتاب "أرشفة غزة في الحاضر: الذاكرة، الثقافة والمحو" (Archiving Gaza in the Present: Memory, Culture and Erasure) الصادر عن دار النشر اللندنية العريقة ساقي بوكس، بتحرير الأكاديمية الفلسطينية دينا مطر والقيّمة الفنية البريطانية فينيتيا بورتر وبالشراكة مع المركز العربي البريطاني، وثيقة معرفية وحقوقية استثنائية لمواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية. يكتسب هذا العمل أهمية بالغة وآنية لكونه وُلد من رحم المؤتمر الأكاديمي الذي عُقد في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، متجاوزاً المفهوم التقليدي للأرشيف بوصفه مجرد تجميع لوثائق الماضي، ليطرح بدلاً من ذلك مفهوماً حياً يقوم على توثيق التاريخ الثقافي والاجتماعي لقطاع غزة أثناء حدوث وتطور الأزمات الراهنة.
يتضافر في صياغة هذا الكتاب أكثر من أربعين مساهماً يمثلون نخبة من الباحثين، والفنانين، والمعماريين، والحقوقيين، والصحفيين؛ من بينهم مؤرخ نكبة فلسطين سلمان أبو ستة، والكاتبة سلمى الدباغ، والتشكيلية مالك مطر، فضلاً عن خبراء الآثار والمعماريين مثل يارا شريف وناصر جولزاري. يستحضر هؤلاء الكتاب والخبراء الحياة الثقافية النابضة لغزة قبل وبعد خريف عام 2023، مسلطين الضوء على المعالم التاريخية، والمراكز الفنية، والجامعات، والمتاحف التي تعرضت للدمار والتدمير الممنهج، مثل مركز رشاد الشوا الثقافي ومتحف رفح، وذلك في محاولة لقطع الطريق أمام سياسات "محو الذاكرة" التي تستهدف اقتلاع المجتمع من جذوره المكانية والتاريخية.
يتميز الكتاب باعتماده على مادة بصرية وتوثيقية غنية وشديدة التنوع، تمزج بين المنهجية الأكاديمية والشهادات الحية؛ إذ يضم مئات الصور الملونة، والخرائط الجغرافية، والأعمال الفنية التشكيلية، إلى جانب التوثيق الجنائي للمباني المدمرة والرسائل الرقمية المجتزأة من شهادات وتطبيقات التواصل مثل "واتساب" لضحايا ومبدعين من داخل القطاع. وبهذه التوليفة غير التقليدية، يتحول الكتاب من مجرد رصد للخسائر المادية إلى "أرشيف حي" ونداء إنساني ودولي عاجل، يؤكد من خلاله المساهمون أن الفعل الإبداعي، وسرد الحكايات، والتوثيق الرقمي المباشر، هي أدوات للمقاومة الثقافية والبقاء، ووسائل لا غنى عنها لصون الهوية الجمعية وتأكيد الحضور الفلسطيني العصي على المحو والنسيان.












