يقدم كتاب "استهداف موسوليني: محاولات اغتيال الدوتشي وبناء الديكتاتورية الفاشية" للمؤرخ والباحث الإيطالي البارز ميمو فرانزينيلي، تحقيقاً تاريخياً وسياسياً وثائقياً بالغ الأهمية يفحص العلاقة العضوية بين العنف، والصدفة، وصناعة الطغيان. ينطلق النص من فرضية محورية ترى أن صعود الديكتاتورية الفاشية الشمولية في إيطاليا لم يكن مجرد خطة إستراتيجية هادئة، بل تسارع وتوطد بشكل دراماتيكي بفضل أربع محاولات اغتيال فاشلة استهدفت حياة بينيتو موسوليني في غضون عام واحد تقريباً، وتحديداً بين نوفمبر 1925 وأكتوبر 1926. وبدلاً من التعامل مع هذه العمليات كأحداث هامشية، يثبت المؤلف بالدليل القاطع كيف تحولت هذه المحاولات الفاشلة إلى "الوقود السياسي المثالي" الذي استغله النظام لتبرير تصفية ما تبقى من مظاهر الديمقراطية البرلمانية وإرساء القوانين الفاشية الاستثنائية الشاملة .
يأخذ النص القارئ في رحلة بوليسية وتاريخية مثيرة لتفكيك كواليس وملابسات هذه المحاولات الأربع وشخصيات منفذيها المتباينة دوافعهم. يبدأ الكتاب باستعراض خطة النائب الاشتراكي "تيتو زانيبوني" الذي أحبطت الشرطة محاولته قبل أن تبدأ في أواخر عام 1925، تليها المحاولة الجريئة والوحيدة التي أصابت موسوليني بجروح طفيفة في أنفه ونفذتها السيدة الأيرلندية "الأميرة فيوليت جيبسون" في أبريل 1926. بعد ذلك، ينتقل فرانزينيلي لتحليل الهجوم بالقنبلة الذي شنه الشاب الفوضوي "جينو لوتشيتي" في سبتمبر من نفس العام، وصولاً إلى المحاولة الرابعة الغامضة في بولونيا في أكتوبر 1926 المنسوبة للفتى "أنتيو زامبوني" البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، والذي قُتل في موقع الحادث على يد الحشود الغاضبة دون محاكمة. وعبر هذه القضايا الأربع، يكشف المؤلف كيف تلاعبت الماكينة الإعلامية للفاشية بالحقائق لبناء هالة "الرجل المحمي من العناية الإلهية" حول الدوتشي.
أحد أبرز الجوانب المعرفية التي تميز هذا العمل هو قدرة فرانزينيلي على كشف الاختراقات الأمنية والدور القذر للأجهزة السرية والشرطة السياسية في توجيه بعض هذه الأحداث؛ حيث يفتح الأرشيفات ليوضح كيف استُخدمت دماء زامبوني ومحاولات الآخرين كذريعة فورية لإلغاء حرية الصحافة، وحل الأحزاب السياسية المعارضة، وإعادة عقوبة الإعدام، وتأسيس "المحكمة الخاصة لأمن الدولة".
يمثل هذا الكتاب مرجعاً وثائقياً استثنائياً لكل المهتمين بالتاريخ السياسي وآليات التلاعب بالوعي الجمعي؛ إذ يوضح كيف يمكن للأنظمة الشمولية أن تحول التهديدات الوجودية الحقيقية أو المفتعلة إلى أدوات قانونية وقمعية مطلقة لترسيخ نفوذها وإحكام قبضتها على مصائر الشعوب لسنوات طويلة.












