يُقدّم كتاب التفكير في المال: الأنطولوجيا الاجتماعية النقدية النقدية لـ (ما بعد) الحداثة في مرآة صورها، للباحث والمفكر الألماني أوليفر فورمان، دراسة فلسفية واجتماعية بالغة العمق والتعقيد لتفكيك طبيعة المال ودوره الجوهري في تشكيل الوعي البشري وبنية المجتمعات الحديثة والمعاصرة. ينطلق الكتاب من أطروحة أساسية تُعرف بـ "الأنطولوجيا الاجتماعية النقدية"، وهي محاولة لفهم طبيعة الوجود الاجتماعي للمال، حيث يجادل فورمان بأن المال ليس مجرد أداة اقتصادية محايدة لتسهيل التبادل التجاري أو قياس القيمة كما تصوره النظريات الاقتصادية التقليدية، بل هو مؤسسة اجتماعية وفلسفية مهيمنة تعيد صياغة العلاقات الإنسانية، وتحدد أنماط التفكير، بل وتصنع الواقع الذي نعيش فيه.
ويستخدم فورمان في كتابه منهجية مبتكرة تعتمد على تحليل "الصور والاستعارات" الفكرية والبصرية التي استخدمتها المجتمعات عبر العصور للتعبير عن المال وفهمه. ويعتقد الكاتب أن تفكيك هذه الصور يعكس بدقة كيف تحول المال من وسيط مادي ملموس مرتبط بالذهب والمعادن النفيسة في العصور القديمة، إلى كيان مجرد ورقمي بالكامل في عصر ما بعد الحداثة، حيث يرى أن هذا التحول نحو "التجريد المطلق" جعل المال أشبه بقوة خفية وميتافيزيقية تدير العالم وتتحكم في مصائر الأفراد دون وجود مادي حقيقي، مما ساهم في تعميق حالة الاغتراب الإنساني وفصل القيمة الاقتصادية عن القيم الأخلاقية والاجتماعية.
ويركز الكتاب على تحليل المنعطف الذي انتقلت فيه المجتمعات من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، مبيناً كيف تغلغلت "المنظومة النقدية" في كل تفاصيل الحياة اليومية، لدرجة أصبحت معها الأفكار، والمشاعر، والعلاقات، والوقت نفسه، قابلة للتسليع والتقييم المالي. ويناقش فورمان كيف أسهمت الصورة النقدية الحديثة في خلق وهم الاستقلالية الفردية، بينما هي في الواقع تربط الجميع بشبكة غير مرئية من الديون والالتزامات النقدية التي لا تنتهي، مما يحول الاقتصاد من خادم للمجتمع إلى سيد مطلق يفرض قوانينه على السياسة والثقافة والفن والروابط الأسرية.
ويختتم أوليفر فورمان أطروحته برؤية فلسفية نقدية تحذر من الاستسلام لـ "منطق المال" كقدر محتوم لا يمكن الفكاك منه، مؤكداً أن الخطوة الأولى لاستعادة الإنسانية لجوهرها تبدأ من خلال إعاده التفكير الفلسفي في ماهية المال ونزع الهالة القدسية والميتافيزيقية عنه. ويجادل الكتاب بأن مواجهة هذا التغول النقدي تتطلب صياغة "أنطولوجيا اجتماعية جديدة" تعيد الاعتبار للقيم الإنسانية والروابط المجتمعية الأصيلة التي لا يمكن قياسها بالعملات، مما يجعل هذا العمل إضافة معرفية هامة لتبديد الأوهام المحيطة بالرأسمالية المعاصرة وفهم المحركات العميقة لعالمنا الحديث.











