"السعادة فعل سياسي": كتاب جديد لجوليا بلازي يفكك الرأسمالية السامة ويطرح الرفاه المشترك كترياق لمواجهة عصر العزلة
شهدت الأوساط الفكرية، السياسية، والاجتماعية صدور كتاب استراتيجي ونقدي جديد يحمل عنوان "La felicità è un atto politico" (السعادة فعل سياسي) للكاتبة والإعلامية الإيطالية البارزة جوليا بلازي، والصادر باللغة الإيطالية عن دار النشر العريقة "ريتزولي" في طبعة مكثفة تقع في ثلاثمائة وأربع صفحات من القطع المتوسط. يأتي هذا العمل ليمثل حدثاً فكرياً متميزاً في توقيت كوني بالغ الحرج، حيث يطرح أطروحة مركزية تفيد بأن السعادة المعاصرة جرى تشويهها وتجريدها من أبعادها الإنسانية المشتركة؛ ففي عصر يحتم على الأفراد أن يكونوا في حالة حزن دائم، ومطالبين بمستويات أداء مفرطة، ومحكومين بالوحدة القاتلة، يغدو اختيار السعي وراء الفرح الحقيقي بمثابة حركة راديكالية وموقف ثوري صريح. ويفكك الكتاب الأكاذيب الرأسمالية التي أقنعت المجتمعات بأن الرفاه هو مجرد جائزة فردية يستحقها المرء بمفرده وعبر جهده الأناني، لتثبت بلازي أن الحقيقة مغايرة تماماً، لكون السعادة في جوهرها شكلاً من أشكال المقاومة الجماعية وحقاً مشاعاً يجب انتزاعه.
يستمد هذا العمل رصانته النقدية وعمقه المعرفي من الهوية المهنية المرموقة لمؤلفته؛ فجوليا بلازي هي كاتبة وصحفية مخضرمة متخصصة في قضايا الجندر، وحقوق الإنسان، والعدالة المدنية، ولها رصيد حافل من المؤلفات الناجحة والمثيرة للجدل مثل "دليل الفتيات الثوريات" و"ثورة زد". تنطلق بلازي في كتابها الجديد من نقطة بالغة الإنسانية والصدق، مستعرضة تأملاتها الشخصية الناشئة عن لحظة إحباط أصابتها كأنثى وناشطة سياسية في مواجهة الأزمات العامة الكبرى. ومن رحم هذا العجز الشخصي، تقرر الكاتبة تفكيك السردية النيوليبرالية القائمة على العزل الممنهج، والبحث عن بديل عملي وواقعي يحرر الإنسان المعاصر من حالة الشلل الفكري والإحساس الدائم بقلة الحيلة الذي يجتاح العالم اليوم.
ينطلق الهيكل التحليلي للكتاب من صياغة مفهوم مبتكر وصادم تصف به الكاتبة عصرنا الحالي، وهو عصر "التابينوسين" (Tapinocene) أو حقبة التعاسة والبؤس المهيكل. توضح بلازي بكثير من الدقة أن الوعي البشري بات مسحوقاً تحت وطأة احتياجات مادية واستهلاكية مصطنعة لا يمكن تلبيتها، وعبر عيش حياة روتينية يشعر الأفراد في عمقها بأنهم لا يحيونها حقيقة. وتلفت المؤلفة إلى المفارقة المريرة للمجتمعات المعولمة؛ فرغم أننا نعيش في فضاء رقمي فائق التوصيل وشبكات إنترنت متصلة على مدار الساعة، إلا أن الإنسان لم يشعر قط بهذا القدر من العزلة، والتهميش، وعدم الفهم من قبل الآخرين.
ويمتاز أسلوب بلازي في هذا المصنف بالجمع البارع بين الصرامة الفكرية واللوحات الساخرة الممتعة والمستوحاة من النقد الثقافي المعاصر. فصفحة تلو أخرى، تعمد الكاتبة إلى تفكيك المفاهيم المسمومة والمشوهة التي زرعتها المنظومة الاقتصادية والاجتماعية حول أبعاد السلطة، والعمل، والجسد، ونمط العيش الراهن. وتكشف الكاتبة الخبايا الهيكلية لهذا النظام الذي جرى تصميمه عمداً ليجعل الكائن البشري في حالة شعور مستمر بالذنب والنقص الفطري؛ حيث يتم إيهام الفرد بأنه دائماً "أكثر هشاشة من اللازم، أو أكثر تعباً مما ينبغي، أو وحيداً لعيب فيه". ومن هنا، يغدو الكتاب رحلة معرفية متعددة المحطات تمزج بين الفكاهة والجدية، مكرسةً مفهوم الفرح كحق مدني أصيل يجب المطالبة به والدفاع عنه في وجه التسلع النيوليبرالي.
إن القيمة الكبرى لكتاب "السعادة فعل سياسي" تكمن في شجاعته المنهجية؛ فهو لا يدعي تقديم وصفات سحرية أو حلول سهلة ومبسطة لمشاكل مجتمعية شديدة التعقيد والتجذر. بدلاً من ذلك، يسعى العمل إلى رسم خارطة طريق وإحداث بوصلة واضحة تساعد المجتمعات على التوجيه السليم وسط عتمة التخبط المعاصر، مرتقياً بأطروحته ليصبح بمثابة مانيفستو لبناء تحالفات تضامنية وإنسانية عريقة. الكتاب لا يعد بالقارئ بسعادة فورية معلبة، بل يوجه دعوة حاسمة وصريحة للضمير الإنساني بضرورة استعادة الفرح وإعلانه كخير عام ومشترك خارج حسابات السوق والربح.
حظي العمل بإشادات نقدية رفيعة فور صدوره من كبار علماء الاجتماع والحركات المدنية المعاصرة؛ حيث وُصفت أطروحة بلازي بأنها الترياق الفكري والوقائي الأهم لمقاومة استلاب الذات البشرية المعاصرة وتفكيك سموم ثقافة الإنتاجية القاتلة. نجح الكتاب في صياغة نص متكامل مدعوم بالتحليل الرصين والعمق الإنساني، مؤكداً أن معركة انتزاع السعادة لا يمكن خوضها كأفراد معزولين، بل كجماعة متضامنة تعيد بناء الفضاء المشترك بأيديها وشجاعتها.











