طرحت دار نشر "غواندا" (Guanda) الإيطالية كتاباً فكرياً ونقدياً لافتاً للفيلسوف والروائي الفرنسي البارز باسكال بروكنر بعنوان "يا مسكيني!" (Povero me!)، وهو عمل ينتمي إلى فئة النثر العام ويقع في 272 صفحة، يفكك فيه الكاتب بأسلوب صارم وهيمنة "أيديولوجيا الضحية" في المجتمعات الغربية المعاصرة.
يجادل بروكنر في أحدث أطروحاته بأن المعاناة تحولت في الغرب الحديث الاستهلاكي إلى ما يشبه العبادة الطقسية؛ حيث استُبدلت البشرية التي كانت تطمح إلى التقدم والحداثة بإنسانية مستضعفة تميل إلى لعب دور الضحية، وغدت الحرية الفردية تتلخص في مجرد الحق في الأنين والشكوى. ويوضح السلك الفلسفي للكتاب كيف يتسابق الجميع في عالمنا اليوم، حتى الفئات الأكثر تميزاً وثراءً، لعرض مآسيهم الشخصية والتباهي بها للتعالي على الآخرين، مما يهدد بنشوء أرستقراطية جديدة من "المنبوذين المصطنعين" تزيح الضحايا الحقيقيين والمهمشين الفعليين عن المشهد. ويرى المؤلف أن هذا التنافس العالمي بين المعاناة يفضي بالضرورة إلى إعلاء قيم الضغينة والندم والانتقام، بدلاً من ترسيخ الأخوة والتضامن بين المستضعفين.
وينبه الفيلسوف الفرنسي، الذي يُعد واحداً من أبرز السجاليين المعاصرين وله عدة مؤلفات نقدية سابقة مثل "طغيان التوبة"، إلى خطورة تنشئة الأجيال الجديدة في مجتمعات يحكمها الخوف والذعر والاستسلام لضربات القدر في ظل تحديات العولمة المعقدة من تغير مناخي وإرهاب وحروب. وخلص بروكنر في كتابه إلى دعوة ملحة لضرورة التخلي عن هذه الجاذبية المفرطة للتعاسة والهشاشة النفسية، مؤكداً أن جوهر البطولة الإنسانية البسيطة يكمن في قدرة الرجال والنساء على تعلم كيفية مقاومة إغواء الذعر ومواجهة مصائرهم بشجاعة وإقدام عوضاً عن البكاء العاجز على قسوة الأزمنة.












