عنوان الكتاب "ماتت ’الفرانكـ-أفريقيا‘، فلتـحيَ ’أفريقيا-فرنسا‘!" دلالة على الحقبة الاستعمارية غير المباشرة ونظام المصالح القديم، حيث يعكس الشق الثاني من العنوان قلباً للموازين لصالح القارة السمراء.
يقدم الصحفي والكاتب البارز كريستوف بواسبوفير في كتابه المرتقب الصادر عن دار النشر الفرنسية "بوشي/شاستيل" مراجعة سياسية وتاريخية شاملة وفحصاً دقيقاً لملف العلاقات الفرنسية الأفريقية المثير للجدل. ينطلق الكتاب من قراءة واقعية وحادة للمتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها القارة الأفريقية على مدار العقد الماضي، مسلطاً الضوء على سلسلة الإخفاقات الدبلوماسية والسياسية التي منيت بها باريس في مناطق نفوذها التقليدية. ويرى المؤلف أن التعالي الفرنسي والقصور في قراءة التحولات الشعبية والسياسية حالا دون التنبؤ بالموجة العارمة المناهضة للوجود الفرنسي، والتي اجتاحت دولاً محورية مثل تشاد وإفريقيا الوسطى والسنغال، فضلاً عن دول منطقة الساحل الإفريقي. وفي هذا السياق، يرصد بواسبوفير كيف استغلت قوى دولية أخرى وعلى رأسها روسيا هذا التراجع الفرنسي لتأجيج مشاعر الغضب وملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه انسحاب باريس تدريجياً من تلك المناطق.
لا يقتصر الكتاب على كونه استعراضاً عابراً للأحداث، بل هو تحقيق استقصائي صارم وصريح يفضح طبيعة العلاقات التي طالما وُصفت بالسامة والمبنية على أسرار الدولة، والانقلابات الخفية، وشراء الولاءات السياسية، والملفات المنسية.
ويستند بواسبوفير في طرحه إلى خبرته المهنية الممتدة لأربعين عاماً أجرى خلالها مقابلات رفيعة المستوى مع قادة وصناع قرار، ليكشف النقاب عن كواليس لم تُنشر من قبل، مثل التحركات الجريئة للرئيس الأسبق فرانسوا هولاند، والضغوط التي مارستها إدارة ترامب، وصولاً إلى العمليات والخطط السرية للرئيس إيمانويل ماكرون. ومن خلال هذا التشريح الاستراتيجي، يوضح الكاتب كيف انقلبت شبكة المصالح القديمة المعروفة بـ "الفرانكـ-أفريقيا" لتصبح عبئاً حقيقياً يرتد أثره سلباً على فرنسا نفسها.
ومع ذلك، يحمل الكتاب رؤية استشرافية تتجاوز البكاء على أطلال الماضي الاستعماري؛ حيث يؤكد المؤلف أن زمن التذرع بالتركة الاستعمارية وتحميلها مسؤولية الإخفاقات التنموية بدأ ينفد ويتلاشى. ويشير بواسبوفير بوضوح إلى أن الشعوب الأفريقية أصبحت اليوم تعاني من ممارسات وقرارات قادتها وأنظمتها الحاكمة أكثر مما تعاني من سياسات القوة الاستعمارية السابقة. وبناءً على ذلك، يطرح الكتاب معادلة جديدة تعكسها إعادة ترتيب أطراف العلاقة في العنوان، معلناً ولادة حقبة "أفريقيا-فرنسا" التي تفرض فيها القارة السمراء شروطها وتتحمل مسؤولية مصيرها في عالم متعدد الأقطاب، مما يجعل من هذا العمل وثيقة سياسية حية تحث على الفعل والتغيير بدلاً من الاكتفاء بسرد التاريخ.













