يخوض كتاب "لماذا نفهم العالم؟" (Pourquoi comprenons-nous le monde ?) الصادر عن دار النشر الفرنسية لا ديكوفرت (La Découverte) لعالم الاجتماع الفرنسي البارز بيرنارد لاهير (Bernard Lahire)، في واحدة من أعقد الإشكاليات المعرفية التي وصفها ألبرت أينشتاين يوماً بأنها "السر الأزلي"، وهي قدرة العقل البشري على استيعاب وتفكيك الظواهر المعقدة للكون. ينطلق لاهير في هذا المؤلف الصادر ضمن سلسلة "العلوم الاجتماعية للحيّ" من التشكيك في التوجهات البنائية الراديكالية التي بالغت في تصوير المعرفة العلمية كمجرد بناء رمزي أو ثقافي منفصل عن الواقع الموضوعي، ليعيد تأسيس دفاع علمي رصين عن "الواقعية" عبر إثبات أن العلوم والرياضيات والتقنيات البشرية المتقدمة ليست ترفاً فكرياً مجرداً، بل هي امتداد ثقافي مباشر للآليات التكيفية والحسية والإدراكية التي طورها الكائن الحي عبر ملايين السنين من التطور لضمان بقائه.
يتبنى لاهير في هذا العمل مقاربة عابرة للتخصصات، عاقداً تحالفاً معرفياً فريداً يمزج فيه بين علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من جهة، وبين البيولوجيا التطورية، والإيكولوجيا، وعلم سلوك الحيوان (الإيثولوجيا)، والعلوم العصبية من جهة أخرى. ومن خلال هذا المنظور الشامل، يتأمل الكاتب ظاهرة محيرة تسمى "الواقعية غير المقصودة"، مستغرباً كيف لعلوم مجردة كالرياضيات البحتة التي تُبنى في غرف مغلقة ودون اعتبارات تجريبية أولية أن تنجح بدقة متناهية في تفسير ووصف حركة الطبيعة والظواهر الفلكية والفيزيائية الحقيقية. ويفسر لاهير ذلك بأن الطبيعة قد "اخترعت" مسبقاً، عبر محاولات التكيف البيولوجي، آليات معقدة تشبه تماماً ما تحاول البشرية صياغته تقنياً في الوقت الحالي، مثلما نرى في تطبيقات المحاكاة الحيوية (Biomimetic) والابتكارات التكنولوجية المستلهمة من ذكاء الطبيعة الحي.
يمثل هذا الكتاب صرخة تحذيرية في مواجهة ما يسميه المؤلف "عصر الجهل الجديد"، حيث تتعرض المعرفة العلمية اليوم للتشكيك والنسبوية المفرطة، ليعيد تذكيرنا بأن قدرتنا على فهم العالم الخارجي ومطابقة عقولنا مع قواه وقوانينه الموضوعية كانت ولا تزال هي سلاحنا الوجودي الأقوى ضد الفناء. وبذلك، يتجاوز لاهير ببراعة أطر علم الاجتماع التقليدي ليقدم رؤية فلسفية وعلمية طموحة تعيد ربط العلوم الاجتماعية بجذورها الحيوية في عالم الأحياء.













