يتناول كتاب "الرخاء المشترك في عالم مجزأ: اقتصاد جديد للطبقة الوسطى، والفقراء في العالم، ومناخنا" للاقتصادي والأكاديمي البارز داني رودريك، الأستاذ بجامعة هارفارد، قراءة تفكيكية وتحليلية جادة تسبر غور العجز الهيكلي الذي يعاني منه النموذج الاقتصادي العولمي الحالي في مواجهة التحديات المتداخلة للقرن الحادي والعشرين. يبتعد الكاتب عن السجالات النقدية المعتادة دون تقديم بدائل، ليقدم سردية مكثفة تطرح إطاراً اقتصادياً جديداً وعملياً يهدف إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي وتوجيه السياسات الاقتصادية نحو تحسين معيشة الطبقات الوسطى، والقضاء على الفقر الفجائي في الدول النامية، ومواجهة أزمة التغير المناخي، وذلك ضمن واقع جيوسياسي متشرذم يتسم باتساع الفجوات وتراجع التعاون الدولي الفعال.
يسلط رودريك الضوء على الخلل المحوري في العقود الأخيرة والمتمثل في إعطاء الأولوية القصوى لكفاءة الأسواق المالية وحرية التجارة الفائقة على حساب الاستقرار الاجتماعي والأمن الاقتصادي للمواطنين والمجتمعات المحلية. يستعرض النص كيف أدت هذه السياسات إلى انكماش أجور الطبقة الوسطى، وتفاقم التفاوت الطبقي، وتآكل قدرة الدول على صناعة سياسات تنموية مستقلة تلبي احتياجات مجتمعاتها. كما يكشف الباحث عن ضرورة الانتقال من التفكير التقليدي المحصور في إعادة توزيع الثروة عبر الضرائب والمساعدات الاجتماعية بعد وقوع الخلل، إلى "الإنتاجية الشاملة" من خلال التدخل المباشر في جانب العرض، ودعم جودة الوظائف، وتوجيه الابتكار التكنولوجي نحو خلق فرص عمل مستدامة يستفيد منها الجميع.
يتجاوز الكتاب الطرح النظري المباشر ليقدم رؤية استراتيجية وسياسية حول كيفية الموازنة بين متطلبات السيادة الوطنية والاستقرار الداخلي من جهة، وبين الحاجة الملحة للتنسيق العالمي لمواجهة التحديات العابرة للحدود مثل التغير المناخي والفقر من جهة أخرى. وتبرز أطروحة المؤلف أن العولمة المتجددة والواقعية لا تتطلب قواعد موحدة وفرض نموذج اقتصادي واحد على جميع الدول، بل تتطلب مرونة تنموية تسمح للبلدان المختلفة بابتكار مساراتها الاقتصادية الخاصة بما يتوافق مع ظروفها ومجتمعاتها. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك ينبض بالعمق والواقعية الاقتصادية، يترك القارئ أمام فهم دقيق وشامل لإمكانات النهوض الاقتصادي، مؤكداً أن تحقيق الرخاء المشترك في عالم مجزأ ليس خياراً يوتوبياً مستحيلاً، بل هو ضرورة سياسية وإنسانية تتطلب شجاعة في إعادة تعريف أولويات الاقتصاد وإدارته لخدمة الإنسان والمناخ.













