يقدم كتاب "الدماء بيننا: سوريا بعد سقوط الأسد" (The Blood Between Us: Syria After the Fall of Assad) الصادر عام 2026 عن دار النشر اللندنية العريقة ساقي بوكس (Saqi Books) للكاتب والصحفي الاستقصائي البريطاني السوري روبن ياسين قصاب، تشريحاً ميدانياً وسياسياً بالغ الأهمية للحظة التاريخية المفصلية التي عاشتها سوريا عقب الانهيار الخاطف والنهاية المدوية لستة عقود من حكم حزب البعث وعائلة الأسد.
ينطلق الكتاب من تلك الأيام الوجيزة والمثيرة التي شهدت الهجوم المباغت للفصائل المعارضة والذي أطاح بالنظام، ليتجاوز مشاعر الابتهاج الفوري العارم والحرية غير المسبوقة التي تملكت السوريين في البداية، نحو تقديم قراءة عميقة ومعقدة للمرحلة الانتقالية الهشة والمليئة بالتحديات الجسيمة.
يمزج المؤلف في فصول الكتاب ببراعة فائقة بين المنهجية التحليلية الصارمة، والتغطية الصحفية الاستقصائية، والشهادات الحية المأخوذة من مقابلات شخصية أجراها مع سوريين عاشوا هذه التحولات في مختلف مناطق البلاد. يشير عنوان الكتاب "الدماء بيننا" بشكل مباشر إلى التركات النفسية والاجتماعية الثقيلة والخصومات المتراكمة التي ورثها المجتمع السوري بعد نصف قرن من القمع ومرور سنوات طوال من الحرب الشاملة؛ حيث يسلط كساب الضوء على مظاهر "الدم الفاسد" والانقسامات التي باتت تطفو على السطح، سواء بين القوى المدنية الثورية والجهاديين والسلطات الجديدة، أو التوترات الطائفية والعرقية في الشمال الغربي والشرقي، بل وحتى الانقسامات التي مزقت القرى والفروع داخل العائلة الواحدة.
يغوص الكتاب في كواليس الواقع السوري المعقد عبر استعراض ملفات شائكة تتصدر المشهد الحالي، مثل آليات العدالة الانتقالية المتعثرة، ومصير السجون ومراكز الاحتجاز التابعة للنظام والمعارضة، والمعارك الأيديولوجية والمسلحة من أجل النفوذ والهوية، إلى جانب تحدي إعادة الإعمار الاقتصادي في بلد تحولت معظم مدنه إلى ركام وتحكمه اقتصاديات مافياوية خلفتها سنوات الصراع. لا يعزل المؤلف الداخل السوري عن محيطه، بل يحلل بدقة الأدوار المعقدة للقوى الإقليمية والدولية وتدخلاتها المستمرة التي تسعى لإعادة تشكيل مستقبل المنطقة وفق مصالحها الخاصة.
ينتهي الكتاب برؤية تجمع بين التحذير العقلاني والأمل الحذر؛ فهو لا يخفي مخاوفه من أن تؤدي هذه المظالم غير المستوفاة، والاضطرابات المعيشية، وغياب سيادة القانون، إلى انزلاق البلاد مجدداً نحو دوامة من العنف والاضطرابات الأهلية، لكنه في الوقت ذاته يشيد بمرونة المجتمع المدني السوري وشبكاته الشعبية التي تكافح لترميم هذا الخراب الإنساني والمادي. وبذلك، يمثل العمل وثيقة تاريخية وتحليلية حية، لا غنى عنها لأي باحث أو مهتم بفهم خفايا التحول السوري وتداعياته الكبرى على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.













