يرى غوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في كتابه الجديد "المستقبل يبدأ معنا" أن التعامل مع الشعبوية لا يمكن أن يقتصر على معالجة نتائجها السياسية أو مهاجمة الأحزاب والحركات التي تتبنى خطابها، بل يتطلب معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي سمحت بانتشارها، خصوصا في المناطق التي عانت من تراجع الوظائف، وانكماش النشاط التجاري، وضعف الخدمات، وتآكل الروابط التي كانت تجمع أفراد المجتمع.
ويضع براون التدهور الاقتصادي الذي أصاب قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية في قلب تفسيره لصعود الشعبوية، مشيرا إلى اختفاء وظائف كانت توفر الاستقرار، وتراجع النشاط في مراكز المدن والبلدات، ولا سيما في المناطق الصناعية التي فقدت قاعدتها الاقتصادية خلال العقود الماضية.
يقدم براون قراءة لصعود الشعبوية تربط بين الاقتصاد والمجتمع والسياسة الدولية، وترى أن معالجة الظاهرة تتطلب أكثر من مواجهة السياسيين الشعبويين أو تفنيد خطابهم.
فالوظائف المفقودة، والبلدات التي تراجعت حيويتها الاقتصادية، والعزلة الاجتماعية، وتراجع المشاركة المدنية، وفقدان الثقة بالمؤسسات، كلها ـ وفق هذا التصور ـ أجزاء من أزمة واحدة.
ويقوم الحل المقترح على إعادة بناء ما تآكل تدريجيا: الثقة بين المواطنين، والإحساس بالمصلحة المشتركة، والمؤسسات المحلية القادرة على جمع الناس، وسياسات اقتصادية تقلل أسباب التهميش، وتعاون دولي قادر على التعامل مع الأزمات العابرة للحدود.
وبذلك يضع براون المعركة ضد الشعبوية في مستوى أوسع من صناديق الاقتراع، معتبرا أن استعادة ثقة الناس بالديمقراطية تبدأ من قدرتها على جعل حياتهم اليومية أكثر أمنا واستقرارا، ومن شعورهم بأنهم ليسوا أفرادا معزولين في مواجهة أزمات أكبر منهم، وإنما جزء من مجتمع قادر على العمل معا













