"آباء في حالة قلق": دليل تربوي جديد لستيفانو روسي يفكك مخاوف الوالدين ويحولها إلى أجنحة تحمي الأبناء وتدعم نموهم
أحدث الكتاب التربوي والنفسي الجديد الذي يحمل عنوان "Genitori in ansia: Trasforma le tue paure nelle ali di tuo figlio" (آباء في حالة قلق: حوّل مخاوفك إلى أجنحة لطفلك) صدى واسعاً واهتماماً بالغاً بين العائلات والأوساط التربوية. الكتاب الصادر عن دار النشر الإيطالية الشهيرة "جيانغياكومو فلترينيلي" ضمن سلسلة "شظايا"، يقع في مائتين وأربعين صفحة من القطع المتوسط، ويقدم تشريحاً نفسياً وتربوياً دقيقاً لظاهرة القلق الوالدي التي باتت تطبع العصر الحديث. يطرح العمل مقاربة مبتكرة تدعو الآباء والأمهات إلى عدم الهروب من مخاوفهم أو إنكارها، بل مواجهتها وفهم جذورها العميقة، بهدف تحويل هذه الهشاشة الإنسانية الطبيعية إلى طاقة دفع إيجابية تمنح الأطفال والمراهقين الأمان النفسي اللازم للنمو والتحليق بثقة في مجتمع يفتقر إلى اليقين.
يستمد هذا المؤلف قوته العلمية والعملية من الهوية المهنية لكاتبه؛ حيث يُعد ستيفانو روسي واحداً من أبرز خبراء علم النفس التربوي (البايدوغوجيا النفسية) في إيطاليا، ويمتلك خبرة ميدانية طويلة تمتد لأكثر من عشرين عاماً ركّز خلالها على رعاية الانفعالات والمشاعر لدى الأطفال والمراهقين ومساندة أولياء الأمور. يُعرف روسي بأسلوبه الإنساني الدافئ وعمق أطروحاته التي ينقلها باستمرار عبر محاضرات جماهيرية واسعة في المسارح والساحات العامة الإيطالية. وفي هذا الكتاب الجديد، الذي يأتي امتداداً لنجاح مؤلفه السابق "دروس الحب من أجل الابن"، يأخذ روسي بيد القارئ برفق وعمق لمساعدته على استكشاف العالم الداخلي للآباء، وهو المكان الذي تقطن فيه مخاوف غير مرئية لكنها حاسمة ومؤثرة بشكل مباشر على سلوك الأبناء.
يطرح المؤلف في ثنايا الكتاب سلسلة من الأسئلة الجوهرية والمقلقة التي تعتلج في صدور الآباء يومياً؛ فكيف يمكن وضع القواعد والحدود السلوكية الصارمة دون خسارة حب الأبناء وقربهم؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن الدقيق بين الرعاية والحماية وبين منح الحرية والاستقلالية دون السقوط في فخ الإفراط في التحكم والسيطرة المفرطة أو التسامح والتساهل السلبي؟ وكيف يمكن التعامل مع المظاهر الاجتماعية الجديدة والتحديات التكنولوجية المتسارعة مثل الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي؟ والأهم من ذلك كله، كيف يستطيع الوالدان إدارة قلقهما الخاص وحماية أنفسهما من نقله بشكل غير واعٍ إلى الجيل الجديد؟. يوضح روسي أن هشاشة الأطفال والمراهقين في هذا العصر، والتي جعلت البعض يطلق عليه "الجيل القلق"، ما هي في الواقع إلا انعكاس للمخاوف والاضطرابات التي تعصف بقلوب الآباء والأمهات.
ويشير الكتاب بعمق إلى أن العيش في مجتمع تلاشت فيه الكثير من اليقينيات والضمانات الاجتماعية يجعل الشعور بالارتباك، والتشتت، وعدم الاستقرار أمراً طبيعياً جداً للوالدين. وبينما يولد جزء من هذا القلق من رحم التحولات السريعة المعاصرة، فإن الكثير من المخاوف الوالدية تمتلك جذوراً قديمة وتاريخية طالما جعلت القلوب ترتجف عبر الأجيال. هنا يغوص روسي في تفكيك هذه الجذور، مستعرضاً الفروق الدقيقة بين القلق المرتبط بدور الأب، وذلك المرتبط بدور الأم، بالإضافة إلى الاضطرابات الناشئة عن طبيعة العلاقة بين الزوجين، ليقدم في النهاية حلولاً واضحة للتحرر من هذه القيود النفيسة التي تعيق نمو الصغار.
ولا يكتفي الكتاب بالتحليل النظري للأزمة، بل يمتاز بتقديم استراتيجيات عملية وأدوات تطبيقية واضحة حظيت بإشادات نقدية واسعة، ومنها ما نشرته الصحفية إيزابيلا كولومبو في مجلة "نووفي كونفيدينتسي". يوضح روسي أن عبور هذا المسار من الوعي الذاتي هو السبيل الوحيد ليتحول الآباء إلى "الرياح التي تهب تحت أجنحة أطفالهم"، وتزويدهم بالثقة واليقين اللذين يساعدانهم على الطيران بأمان ومواجهة تحديات الحياة الكبيرة والصغيرة دون خوف. إن كتاب "آباء في حالة قلق" يمثل وثيقة تربوية بالغة الأهمية تحث على التربية التأملية والواعية، مؤكداً أن الأبناء لا يحتاجون إلى آباء مثاليين لا يخطئون، بل يحتاجون إلى قيادة بالغة، حقيقية، آمنة ومتبصرة تقودهم نحو المستقبل بشجاعة.








