يُعد كتاب "الفلاحون: صانعو العالم الحديث" (Peasants: Makers of the Modern World)، الصادر عن دار النشر العالمية بلومزبيري (Bloomsbury Publishing) للباحثة وعالمة الاجتماع الاقتصادي مريم أصلاني (Maryam Aslany)، دراسة أنثروبولوجية وتاريخية رائدة تعيد الاعتبار لطبقة الفلاحين وتضعهم في قلب الرواية التاريخية والاقتصادية العالمية المعاصرة. ينطلق الكتاب من دحض فكرة شائعة تروجها النخب السياسية والاقتصادية المعاصرة بأن مجتمعات الفلاحين ليست سوى بقايا من الماضي تلاشت مع الحداثة الصناعية؛ إذ تثبت المؤلفة بالأرقام والتحليل الميداني أن هذه القوة العاملة، التي تضم اليوم نحو ملياري شخص ويمثلون ربع البشرية، هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحالي من خلال تأمين ثلث الغذاء وحماية النظم البيئية الهشة.
تأخذ الباحثة القارئ في رحلة ميدانية استقصائية شملت ثلاث قارات عبر تتبع سلاسل التوريد العالمية لأربعة محاصيل استراتيجية أساسية هي قصب السكر، والأرز، والكاكاو، والكوكا؛ حيث تنتقل بين حقول قصب السكر في الهند، وسهول الأرز في كمبوديا، ووديان الكوكا في بيرو، وحزام الكاكاو في غانا. ومن خلال هذه المعايشة، تكشف أصلاني عن تفاصيل الأنظمة الاحتكارية والاستغلالية التي تغذي الأسواق الحرة، وتسلط الضوء على القصص الإنسانية المؤلمة من واقع المزارعين والعمال المهاجرين والمهربين الذين يدفعهم انهيار سبل العيش نحو التطرف أو الانتحار، والنساء اللواتي يتحملن العبء الأكبر للعمل الزراعي وسط عائلات تكافح يومياً على حافة البقاء.
لا تكتفي المؤلفة بسرد المعاناة، بل تحذر من أن إصرار المنظومة الرأسمالية الحديثة على تكثيف الطلب على السلع الرخيصة يدفع هذه القوة العاملة الحيوية والمبتكرة نحو حافة الانهيار الشامل، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل في الأزمات الراهنة المتمثلة في انعدام الأمن الغذائي، والهجرات الجماعية المتزايدة، والتدهور البيئي المتسارع. وبناءً على ذلك، يخلص الكتاب إلى أن قصة الريف والفلاحين ليست تاريخاً منفصلاً، بل هي جوهر الحاضر ومفتاح النجاة البيئية والمستقبلية للبشرية جمعاء.











