تخطى للمحتوى الرئيسي

الإنترنت ليس مكاناً للإناث

The Internet is not a place for females

غير مترجم

"الإنترنت ليس مكاناً للإناث": كتاب جديد لسيلفيا سيمينزين يفكك خوارزميات الذكورية الرقمية ويكشف كيف يربح رأس المال من العنف الجندري

أثار الكتاب السوسيولوجي والنقدي الجديد الذي يحمل عنوان "Internet non è un posto per femmine" (الإنترنت ليس مكاناً للإناث) موجة جارفة من النقاشات الممتدة والاهتمام البالغ في الأوساط الحقوقية، والنسوية، والتقنية المعاصرة منذ صدوره. المصنف الصادر حديثاً عن دار النشر الإيطالية العريقة "جيوليو إيناودي" ضمن سلسلة "أوبرا فيفا" (العمل الحي)، يقع في مائة وست وأربعين صفحة من القطع المتوسط. ويقدم هذا العمل الاستقصائي الجريء تشريحاً سياسياً واجتماعياً بنياً لفكرة السيطرة الرقمية؛ حيث يطرح فرضية مركزية صادمة تعلن أن شبكة الإنترنت العالمية لم تعد مجرد تكنولوجيا محايدة أو فضاء افتراضياً حراً للمعلومات، بل تحولت إلى ساحة صراع محتدمة لإعادة إنتاج علاقات القوة، وتكريس الرغبات الذكورية، وترسيخ ذات التراتبيات والتحيزات الطبقية والجندرية السائدة في العالم الواقعي.

يستمد هذا المؤلف قوته المعرفية ومصداقيته البالغة من الهوية الأكاديمية والمهنية لكاتبته؛ إذ تعد سيلفيا سيمينزين عالمة اجتماع وباحثة وناشطة نسوية إيطالية بارزة كرسّت مسيرتها البحثية لدراسة السلوكيات الرقمية وخبايا الفضاء السيبراني. توظف سيمينزين في كتابها الجديد أسلوباً سردياً فريداً وممتعاً يمزج بسلاسة بين البيانات الإحصائية الصارمة، والتوثيق التاريخي، وتحليل مظاهر الثقافة الشعبية الراقصة (Pop Culture)، والنظرية النسوية النقدية. وتقود الكاتبة القارئ في رحلة كاشفة تبدأ من الجذور المنسية لصناعة الحوسبة لتصحح مغالطة تاريخية شائعة، مبيّنة أن النساء هن من وضعن اللبنات الأولى لكتابة الأكواد والبرمجيات وتصميم الكمبيوتر في البدايات، قبل أن تتدخل الهيمنة الرأسمالية لتقرر قسراً تحويل البرمجة إلى مهنة جافة، تقنية، ومقتصرة على الرجال، لتبدأ من تلك اللحظة مسيرة إقصاء النساء وتدشين عصر التمييز الرقمي الممنهج.

ينطلق الهيكل التحليلي للكتاب من رصد الآليات الخفية التي يتخفى وراءها النظام الأبوي أو البطريركي داخل البنية التكنولوجية؛ حيث تكشف الباحثة بكثير من الأدلة كيف يقوم "الذكور الرقميون" بتحديث أدواتهم وصياغة تحيزاتهم في قوالب برمجية، مستغلين الـ ميمز (Memes)، والنكات العابرة، والنزعات السائدة (Trends) للتغلغل داخل الوعي الجمعي وتمرير الكراهية. ويفضح الكتاب الكيفية التي تعلمت بها الخوارزميات الذكية التغذي على الصور النمطية السلبية المسبقة وتضخيمها، مشيراً بمرارة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي الكبرى لا تقف موقف المحايد، بل تعمد إلى "تسليع ومونيتة العنف الجندري" (Monetizing gender violence)، محولةً مظاهر التحرش والتنمر الإلكتروني والاعتداءات اللفظية ضد النساء إلى مواد ترفيهية تجلب التفاعل والترافيك، وبالتالي تضاعف أرباح هذه الشركات العملاقة.

ويغوص الكتاب عميقاً في رصد الأشكال المتطورة والوحشية للجرائم السيبرانية الموجهة ضد النساء، مستعرضاً ملفات بالغة الخطورة مثل التزييف العميق الإباحي (Sexual Deepfakes) والابتزاز الجنسي عبر نشر الصور دون موافقة أو ما يُعرف بـ الـ ريفينج بورن (Revenge Porn). وتحذر سيمينزين من الصعود المخيف لما تسميه "المانوكالتشر" أو الثقافة الذكورية المتطرفة (Manoculture) التي تحولت إلى ظاهرة عالمية مدمرة تمتلك أجندات سياسية رجعية واستراتيجيات تواصلية بالغة الذكاء والتعقيد. وتتغذى هذه البيئة السامة على إطلاق مجتمعات افتراضية فائقة المحافظة يوجهها مؤثرون يروجون لمعاداة النسوية، ويطرحون نماذج جمالية برّاقة لكنها في جوهرها ترسّخ التبعية النسائية وتعيد تجميل وتطبيع عدم المساواة الجندرية.

إن القيمة الكبرى لكتاب "الإنترنت ليس مكاناً للإناث" تكمن في كونه لا يكتفي بإلقاء الضوء على عتمة الفضاء الرقمي، بل يمثل مانيفستو تربوياً وحقوقياً يهدف لتسليح الأفراد والمجتمعات بأدوات النقد الفعال وإشعال الفكر الحر؛ وتؤكد المؤلفة أن التكنولوجيا لم تكن يوماً محايدة سياسياً، ولذلك يجب فهمها، نقدها، وإعادة بنائها جذرياً لتصبح آمنة. يوجه العمل صرخة تحذيرية للمجتمعات بضرورة عدم ترك الأجيال الشابة وحيدة وبلا حماية في مواجهة هاوية الإنترنت المعاصر الشرس، مطالبة بتبني استراتيجيات تقنية وسياسية واضحة لانتزاع فضاء افتراضي بديل يحترم الكرامة الإنسانية، لكوننا نحتاج بقوة إلى التكنولوجيا لكننا "نحتاجها حرة، آمنة، ونسوية".

حظي الكتاب بإشادات نقدية رفيعة فور صدوره من كبار علماء الاجتماع ومنصات تحليل الميديا العالمية؛ حيث وُصف بأنه ترياق فكري ضروري لمواجهة استلاب المجتمعات الرقمية والتحرش الممنهج عبر الشبكات. نجح العمل في تقديم مرجع سوسيولوجي مكثف وعميق يخاطب العقول والضمائر، مؤكداً أن معركة التحرر الإنساني المعاصر تتطلب حتماً تحرير الخوارزميات وشبكات الويب من قبضة العقلية الذكورية والرأسمالية الافتراسية.

الإنترنت ليس مكاناً للإناث
استمع للكتاب

البيانات الببليوغرافية

المؤلف
دار النشردار إيناودي للنشرالموقع
بلد النشرإيطاليا
التصنيف الرئيسيدراسات اجتماعية
سنة النشر2026
اللغة الأصليةالإيطالية (IT)
عدد الصفحات168 صفحة
الطبعةالأولى
الحجم13×20
ISBN978-8806266288
حالة الترجمة
غير مترجم

نبذة عن سيلفيا سيمينزين

سيلفيا سيمينزين عالمة اجتماع رقمية وباحثة وناشطة نسوية. تدرس التكنولوجيا والجندر والعنف الإلكتروني من منظور نقدي ومتعدد التخصصات. في عام ٢٠١٩، ساهمت في سنّ أول قانون إيطالي ضد مشاركة الصور الحميمة دون موافقة أصحابها، وتتعاون اليوم مع مؤسسات دولية مثل المفوضية الأوروبية ومجلس أوروبا والمعهد الأوروبي للمساواة بين الجنسين، مع التركيز على حوكمة المنصات والحقوق.…

كتب مشابهة