"ما هي الصحة النفسية؟": كتاب جديد يعيد صياغة أسئلة فرانكو بازاليا ويفكك الهيمنة الطبية للنيوليبرالية على المعاناة النفسية البشرية
أثار الكتاب الفكري والنقدي الصادر حديثاً بعنوان "Che cos’è la salute mentale? Genealogie e prospettive critiche" (ما هي الصحة النفسية؟ جينالوجيا وآفاق نقدية) موجة واسعة من النقاشات الجادة داخل الأوساط الطبية، الفلسفية، والاجتماعية المعاصرة. المصنف الضخم الذي أشرف على تحريره وجمعه الطبيب النفسي والمحلل الفرويدي البارز ماريو كولوتشي، وصدر عن دار النشر الإيطالية العريقة إيناودي في ثلاثمائة وستين صفحة من القطع المتوسط، يمثل مراجعة تاريخية وتشريحاً بنيوياً صارماً لمنظومة الطب النفسي في القرن الحادي والعشرين. ينطلق هذا المؤلف الجماعي، الذي يضم إسهامات نخبة من كبار الباحثين والعلماء في حقل الصحة النفسية، من محاولة جريئة لإعادة صياغة السؤال الاستفزازي الشهير الذي طرحه رائد الطب النفسي الإنساني فرانكو بازاليا قبل نحو ستين عاماً حول جوهر الطب النفسي ووظيفته الاجتماعية، محولاً إياه إلى أداة نقدية لتفكيك الأزمات المعاصرة المتمثلة في التسليع الرأسمالي للألم البشري، والنزعة الطبية المفرطة التي تختزل المعاناة الروحية في مجرد خلل كيميائي عصبي.
يستمد الكتاب رصانته النقدية وعمقه المعرفي من الخلفية المهنية والأكاديمية الفذة لجامعه؛ إذ يشغل ماريو كولوتشي منصب مدير الخدمة الطبية النفسية للتشخيص والعلاج في مدينة أوديني، وهو محلل نفسي وعضو في مدرسة التحليل النفسي لمنتدى الحقل اللاكاني، فضلاً عن تدريسه في جامعة تريستي ومعهد عيادة الروابط الاجتماعية في البندقية وعمل التحرير بجريدة "أوت أوت" الفكرية الشهيرة. هذا التمازج الفريد بين الممارسة العيادية اليومية داخل أروقة المستشفيات والعمق التنظيري الفلسفي أتاح لكولوتشي ورفاقه من الباحثين تقديم عمل جينالوجي رصين يتجاوز السطحية السائدة، مستعيناً بالمنهج الحفري النقدي المتأثر بـ ميشيل فوكو وتاريخ الأفكار النفسية، لا لتأريخ الأمراض بل لتفكيك شبكات القوة، والسلطة، والمعرفة التي تشكل علاقة المجتمع بالجنون والاضطراب النفسي في ظل التحولات الهيكلية للاقتصاد العالمي المعاصر.
تتمثل الأطروحة المركزية الأولى للكتاب في تفكيك ما يصفه المؤلفون بـ"الطبية البيروقراطية المحيطة بالمعاناة النفسية" والتضخم العشوائي للمصطلحات والكتالوجات التشخيصية. يوضح الكتاب بكثير من الأدلة والتحليلات كيف تحول الطب النفسي الحديث إلى ما يشبه "علم الأعصاب التطبيقي" الذي يتعامل مع الدماغ البشري كآلة بيولوجية معزولة عن محيطها الاجتماعي، الثقافي، والسياسي. هذه المقاربة الاختزالية، بحسب كولوتشي، تتجاهل عمداً "المحددات الاجتماعية للصحة"، مثل الفقر، البطالة، التهميش، غياب العدالة الاجتماعية، وضغوط الحياة في المجتمعات النيوليبرالية، وهي العوامل الحقيقية التي تولد القلق والاضطراب، مما يؤدي إلى تحويل الأزمات الوجودية والاجتماعية إلى أمراض فردية تُعالج بالعقاقير الطبية والمهدئات عوضاً عن معالجة جذورها الهيكلية في بنية المجتمع.
وينتقد الكتاب بجرأة لافتة الطريقة التي جرى بها تقييد وتحجيم "العلاقة العلاجية" بين الطبيب والمريض داخل أطر بروتوكولية صارمة وخطوط توجيهية جافة تحاكي الأنظمة الإدارية للشركات. لقد تحول اللقاء العيادي الإنساني، الذي كان يعتمد تاريخياً على الإنصات العريق، والتعاطف، وسماع قصة المريض الفريدة، إلى عملية آلية تهدف إلى ملء الاستمارات وتصنيف الأعراض لتتوافق مع معايير شركات التأمين الصحي والمؤسسات الدوائية الكبرى. هذا التحول لم يؤد فقط إلى تدمير البعد الإنساني للعلاج، بل ساهم في صعود "النزعة الشركاتية" داخل المؤسسات الصحية، حيث يتم تقييم نجاح العلاج النفسي بناءً على معايير الكفاءة الاقتصادية، وخفض التكاليف، وسرعة إعادة الفرد إلى سوق العمل كمستهلك ومنتج، دون الاكتراث الحقيقي بنموه النفسي واستعادته لسيادته على حياته.
ولا يتوقف العمل عند هذا الحد، بل يغوص عميقاً في الجانب السياسي لإدارة المجموعات الهامشية؛ إذ يكشف المؤلفون عن استمرار بقاء آليات "المؤسسات الشمولية التوتاليتارية" المعزولة تحت مسميات تجميلية حديثة. ويوضح الكتاب كيف تمارس المؤسسات العلاجية المجتمعية والعيادات الحديثة دوراً رقابياً غير معلن يهدف إلى ضبط وتدجين "الانحرافات الهامشية" والتحكم في الفئات غير المتوافقة مع النمط الرأسمالي الصارم للإنتاج. ويفضح كولوتشي ما يسميه "النفاق الكامن في نماذج الصحة النفسية العالمية المعولمة" التي تسعى لفرض معايير تشخيصية وعلاجية غربية موحدة على شعوب وثقافات متنوعة، متجاهلة التباين الهائل في الموارد المتاحة بين الدول، والخصوصيات الثقافية لكل مجتمع في التعبير عن الألم النفسي والتعافي منه.
يبرز الجانب التوثيقي المؤلم في الكتاب عند الحديث عن استمرار "الوصمة الاجتماعية والتحيزات المسبقة" التي تلاحق المرضى النفسيين حتى في أكثر المجتمعات تقدماً. يحلل الباحثون كيف تؤدي الممارسات الطبية الحالية في كثير من الأحيان إلى "سحق حقوق الأفراد" وتجاهل تجاربهم الذاتية الحية مع المرض والمعاناة، حيث يُنظر إلى كلام المريض كعرض جانبي للاضطراب العصبي وليس كصرخة إنسانية تستحق الفهم. هذا الفقر الإنساني والثقافي المتصاعد داخل دور الرعاية والمستشفيات العامة دفع المؤلفين إلى إطلاق صرخة تحذيرية من مغبة ترك حقل الصحة النفسية نهباً للخصخصة البشعة والمنطق التجاري النيوليبرالي الذي يحول المريض إلى عميل أو رقم في ميزانية الربح والخسارة.
ومع ذلك، فإن كتاب "ما هي الصحة النفسية؟" يرفض الاستسلام لقتامة المشهد الحالي؛ إذ يهدف ماريو كولوتشي وفريقه في الفصول الختامية للعمل إلى تحفيز التفكير النقدي الخلاق لدى جيل الأطباء والباحثين الجدد وتدشين ما يسمونه بـ"الابتكار الجماعي للممارسات العلاجية البديلة". يدعو الكتاب إلى ضرورة العودة إلى الفلسفة التحررية لبازاليا التي تدمج بين الرعاية الطبية الفائقة والتحرر الاجتماعي، مؤكداً أن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يتم داخل جدران العيادات المغلقة عبر الوصفات الدوائية وحدها، بل يتطلب مساراً شاملاً للإدماج الاجتماعي، واستعادة الحقوق المدنية، وبناء مجتمعات متضامنة قادرة على احتضان الاختلاف البشري دون خوف أو إقصاء، مما يجعل هذا الكتاب دليلاً استراتيجياً لا غنى عنه لإعادة الاعتبار لإنسانية الطب وعمق التضامن البشري المعاصر.








