يحمل كتاب برنار أوليفييه عنوان «Apprendre à vivre et à mourir»، «تعلّم أن تعيش وأن تموت». وهو عمل ينتمي إلى أدب السيرة والمذكرات، يستعيد فيه الكاتب مراحل حياته من الطفولة إلى النضج، محاولًا فهم العلاقة بين مواجهة الموت والتمسك بالحياة. ومن المقرر أن يصدر الكتاب عن دار Phébus في 8 أكتوبر 2026، بحسب البيانات الرسمية للناشر.
يبدأ أوليفييه حكايته من نورماندي، حيث وُلد عام 1938، أي عند أعتاب الحرب العالمية الثانية. وقد تركت الحرب أثرها المبكر في وعيه، إذ تعرّف إلى الموت وهو في السادسة من عمره خلال القصف الذي تعرضت له المنطقة. لا تُقدَّم هذه التجربة بوصفها حادثة عابرة، بل باعتبارها لحظة مؤسسة لنظرته إلى العالم؛ فالطفل الذي يكتشف هشاشة الحياة في وقت مبكر يصبح أكثر وعيًا بقيمتها وأكثر ميلًا إلى عيشها بكثافة.
يتناول الكتاب كذلك أثر الأصل الاجتماعي في تشكيل المصير. فقد أدرك أوليفييه منذ سن مبكرة ما يسميه الحتمية الاجتماعية وعنف الفوارق الطبقية، لكنه لم يقبل أن تكون خلفيته قدرًا نهائيًا. وجد في الكتب وسيلة لإعادة اختراع ذاته، ومنحته القراءة إمكانية تخيل حياة أوسع من الحدود التي رسمها له محيطه. وبعد ذلك خاض أعمالًا مختلفة في شبابه، وهو يحاول التوفيق بين فضوله الذي لا يشبع وشغفه باللغة والكتابة من جهة، ومتطلبات الواقع من جهة أخرى.
تكشف المذكرات أن التحول إلى الصحافة لم يكن قرارًا مهنيًا باردًا، بل نتيجة بحث طويل عن شكل حياة ينسجم مع رغبة الكاتب في الحركة والمعرفة. وقد ساعده تأثير شخصية مارسيلو ماستروياني في فيلم «الحياة الحلوة» على اكتشاف صورة الصحفي الذي يراقب العالم ويقترب من الناس والأحداث. ومن هنا بدأت مسيرته التي جعلت منه صحفيًا وكاتبًا معروفًا، قبل أن يصبح لاحقًا رحالة يكتب عن تجاربه وأسفاره.
يحتل الموت موقعًا مركزيًا في الكتاب، لكنه لا يظهر بوصفه موضوعًا مرضيًا أو دعوة إلى التشاؤم. فعلى الرغم من اقتراب أوليفييه من الموت مرات عدة، فإنه يتعامل معه باعتباره قوة تدفع الإنسان إلى اتخاذ الحياة بجدية. والمفارقة أن الموت نفسه يفتح أمامه بابًا إلى «حياة ثانية»، أي إلى مرحلة جديدة يقرر فيها أن يعيش بحرية أكبر وأن يختبر إمكانات لم يكن قد منحها لنفسه من قبل.
تتصل هذه الفكرة بمسيرته اللاحقة؛ فقد اشتهر أوليفييه عندما قرر، في سن التقاعد، أن يسير منفردًا من إسطنبول إلى الصين عبر طريق الحرير. وقد جعلته هذه الرحلة مؤلفًا رحّالًا واسع القراء، ورسّخت لديه قناعة بأن العمر لا ينبغي أن يكون ذريعة للتوقف.
لذلك لا تبدو المذكرات مجرد استعراض لمحطات شخصية، بل تأملًا في القدرة على البدء من جديد.
تكمن قيمة الكتاب في صدقه الإنساني؛ فهو يربط بين الحرب والطبقة والقراءة والعمل والسفر، ويحوّل السيرة الفردية إلى درس في مقاومة الاستسلام. إن تعلّم العيش، في تصور أوليفييه، يعني أن نقبل هشاشتنا من دون أن نسمح لها بسلب حريتنا، أما تعلّم الموت فيعني أن نمنح وجودنا معنى قبل أن ينتهي.













