يتناول كتاب "قصة القصص: التاريخ الممتد لمليون عام لفن بشري فريد" للمؤلف والمبتكر كيفن أشتون رحلة ملحمية عبر التاريخ الإنساني لتتبع أصول وتطور فن الحكي وسرد القصص، باعتباره الأداة الجوهرية التي ميزت الجنس البشري ومكنته من بناء الحضارات. يغوص الكاتب في أعماق العصور السحيقة، متتبعاً كيف بدأ الإنسان القديم في نقل تجاربه وحكمته عبر الأصوات والإيماءات والرسم على جدران الكهوف، ليتحول السرد تدريجياً من مجرد وسيلة للبقاء والتنبيه من الأخطار إلى القوة الدامجة التي وحدت المجتمعات وشكلت هوية الجماعات البشرية.
يقدم المؤلف سردية مكثفة تربط بين العلوم المعرفية والأنثروبولوجيا والتاريخ الفكري، موضحاً كيف أن أدمغتنا مصممة بيولوجياً للتفكير من خلال القصص، وكيف أصبحت الحكايات هي العدسة الرئيسية التي نفهم من خلالها العالم ونفسر بها وجودنا.
يسلط أشتون الضوء على المحطات المفصلية في تاريخ السرد الإنساني، بدءاً من ابتكار الكتابة في Mesopotamia والدلتا وتوثيق الملاحم الشفهية القديمة مثل ملحمة جلجامش والإلياذة، مروراً بظهور الطباعة وتطور الرواية الحديثة، ووصولاً إلى العصر الرقمي وشاشات السينما والوسائط التفاعلية. يستعرض النص كيف استخدمت البشرية القصص عبر التاريخ لبث القيم الأخلاقية، ونقل المعرفة العلمية، وتجسيد المخاوف والآمال المشتركة، كاشفاً النقاب عن الآليات العميقة التي تجعل قصصاً معينة تتجاوز حدود الزمان والمكان لتبقى حية في الذاكرة الجمعية لعدة قرون. كما يبرز الكتاب القدرة الهائلة للقصة على الإقناع والتأثير والتغيير السياسي والاجتماعي، حيث كانت دائماً سلاحاً صامتاً لتغيير الأفكار وتوجيه المجتمعات.
يتجاوز الكتاب البعد التوثيقي التقليدي ليقدم تحليلاً فلسفياً وإنسانياً شاملاً لقوة السرد في تشكيل الواقع، مؤكداً أن القصص ليست مجرد أداة للترفيه أو قضاء الوقت، بل هي البنية الأساسية التي يبنى عليها الفكر والثقافة والابتكار. ويبيّن أشتون أن كل إنجاز بشري، من العلم والتكنولوجيا إلى الدين والسياسة، بدأ في جوهره كقصة تخيلها أحدهم قبل أن تصبح واقعاً ملموساً. ينتهي الكتاب بنسيج سردي متماسك يترك القارئ أمام تقدير عميق لهذه الموهبة الفطرية التي نحملها جميعاً، مؤكداً أنه طالما استمر الإنسان في الوجود، فستظل القصة هي الجسر الأقوى الذي يربط الماضي بالمستقبل ويصل بين عقول البشر وقلوبهم.













