تحمل رواية دانيال دو روليه عنوان «Trois garçons»، «ثلاثة فتيان» أو «ثلاثة شبان». صدرت الرواية عن دار Phébus في أغسطس 2026، ضمن إصدارات الدخول الأدبي الفرنسي لخريف العام نفسه.
وتتابع الرواية مصائر ثلاثة أصدقاء سويسريين، فولفغانغ وفابيو وماكس، منذ طفولتهم حتى مراحل متقدمة من حياتهم، جاعلة من صداقتهم الطويلة وسيلة لقراءة التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
وُلد الأصدقاء الثلاثة في نهاية الحرب تقريبًا، داخل بلد محايد يبدو محميًا من الصراعات الكبرى. غير أن هذا الأمان الظاهري لا يمنعهم من اكتشاف التفاوت والظلم في محيطهم. فمن خلال تربيتهم وتجاربهم الأولى، يلاحظون الكذب الاجتماعي، وعدم المساواة، وعنف الطبقات، ويدركون أن الاستقرار الذي يعيشونه لا يعني بالضرورة العدالة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الملاحظات إلى وعي نقدي وإلى رغبة في مقاومة الأفكار الموروثة عن السلطة والأسرة والمجتمع.
تتسع الرواية مع نضج الشخصيات لتصبح سجلًا لجيل كامل. فالأصدقاء يشهدون حرب فيتنام، وأحداث مايو 1968، وهجمات 11 سبتمبر، واليابان التي تعرضت للإشعاع، ثم انتفاضات الربيع العربي. ولا تُستخدم هذه الأحداث بوصفها خلفية تاريخية فقط، بل باعتبارها محطات تعيد تشكيل نظرة الأبطال إلى الحرية والعنف والمسؤولية. إنهم ينتمون إلى جيل اكتشف أن العالم الحديث قادر على إنتاج أشكال جديدة من السيطرة، حتى عندما يرفع شعارات الديمقراطية والتقدم.
يختبر الثلاثة كذلك أنماطًا مختلفة من الحياة الخاصة، مثل الحب الحر، والنماذج الجديدة للأبوة، والعلاقات الجنسية في ظل انتشار الأمراض الفيروسية وبعدها. وتكشف هذه التجارب أن التمرد لا يحدث في المجال السياسي وحده، بل يشمل الجسد والعائلة وطريقة بناء العلاقات. فالأصدقاء يحاولون التحرر من النموذج البرجوازي التقليدي، ومن فكرة أن النجاح الاجتماعي يتطلب التكيف مع القواعد السائدة.
تضع الرواية هذه الشخصيات في مواجهة صورة سويسرا المعروفة بمصارفها ومتداوليها ومؤسساتها المستقرة وتوافقها الديمقراطي. خلف هذه الصورة، يكشف دو روليه عن سويسرا أخرى، تسكنها جماعات مستقلة أو راديكالية، بعضها عنيف، ترفض التسويات السياسية وهيمنة البنوك والعلاقات البرجوازية. ومن ثلوج دافوس إلى الاحتجاجات والاحتلالات المعاصرة، يظهر الأصدقاء بوصفهم أبناء بيئة غنية ظاهريًا، لكنها تحمل تناقضات عميقة.
لا تقدم الرواية أبطالها باعتبارهم ثوريين ناجحين بصورة كاملة، بل تصوّرهم وهم يحاولون الحفاظ على مبادئهم وسط تغير الزمن. فمشروعهم في «إحداث التغيير الكبير» يظل معرضًا للفشل والتسوية، لكن أهميته تكمن في استمرار الرغبة في مقاومة النظام الاقتصادي غير العادل. وتنبع قيمة الكتاب من مزجه بين السيرة الجماعية والتاريخ السياسي، وبين التجربة الحميمة والتحليل الاجتماعي.
يُعد دو روليه، المولود في سويسرا عام 1944، كاتبًا رحّالًا سبق أن عمل مهندسًا معماريًا ومتخصصًا في المعلوماتية قبل أن يتفرغ للكتابة.
وفي «ثلاثة فتيان» يحول جيلًا كاملًا إلى شخصيات روائية، مؤكدًا أن تغيير العالم لا يبدأ دائمًا من المؤسسات، بل من أفراد يرفضون اعتبار الواقع قدرًا نهائيًا.













