قصيدة محو طويلة بحجم كتاب، تتخذ من طلب جنوب إفريقيا المقدم إلى محكمة العدل الدولية بتهمة انتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها نصاً أساسياً.
في كتابه "لا مكان آمن في غزة"، يُجسّد فيصل ج. محمد التجربة الإنسانية الكامنة في صميم هذا النص القانوني، مُسلطًا الضوء على معاناة الفلسطينيين على أرض الواقع والنوايا المعلنة للمسؤولين الإسرائيليين. ومن خلال استخدام تقنيات الإخفاء، تتلاشى لغة البيروقراطية في الخلفية، لتفسح المجال أمام الأصوات الفلسطينية لتُعبّر عن نفسها بكل قوة.
أثناء قراءتي لقصيدة فيصل محمد "لا مكان آمن في غزة"، شعرتُ وكأنني أسقط بين جزر الشعر المتناثرة وفي فضاء الحذف الصامت حيث تُخلّف كارثة الإبادة الجماعية هوة من الفقدان. تُشير الجمل المحذوفة إلى التضامن مع أولئك الذين يرفضون المحو، مع أولئك الذين يقاومون انعدام الجنسية.
ترسم هذه الصفحات خريطةً لمنطقةٍ جُرِّدت من كل شيء، حتى باتت مستشفىً ودماءً وقنابل، لكنها لا تزال تنبض بالإنسانية. من ذلك المكان، بين المقبرة المدمرة والكنيسة المنهوبة، يكشف لنا محمد عن شهادةٍ هزيلةٍ ومؤلمة. هنا شاهدٌ هزيلٌ يتحدث متجاوزًا شبح الرقابة في القرن الحادي والعشرين، ومنطلقًا إلى قوة الشعر.
يستحضر فيصل ج. محمد، في كتابه "لا مكان آمن في غزة"، فكرة ميلتون عن العمى والبصيرة، ويناشدنا أن ننظر إلى ما وراء ما محاه عمداً من أعيننا. يُنهي الكتاب الهياكل القانونية التي فشلت في أداء واجب المحاسبة الأخلاقية، ومن خلال هذا الظلام، يُظهر -بشكل مؤلم ومُفزع- الدمار المادي الذي لحق بغزة، واحتياجات كل إنسان على وجه الأرض، ولا سيما الفلسطينيين: أن يُنظر إليهم ويُعاملوا كبشر.













