يُقدّم هذا التقرير مراجعة شاملة لكتاب "توني بلير" (Tony Blair)، وهو سيرة ذاتية وجيزة ومثيرة للجدل صاغها المحلل السياسي البريطاني البارز ستيف ريتشاردز، ونشرتها دار Swift Press المستقلة في نسختها المجلدة خلال سبتمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، متبوعة بالنسخة الورقية في أغسطس من عام ألفين وستة وعشرين.
ينطلق الكتاب من تساؤلات جوهرية تبحث فيما إذا كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير قائداً رؤيوياً يتطلع إلى المستقبل، أم زعيماً محاصراً بإرث ماضيه المتمثل في خسائر حزب العمال في ثمانينيات القرن الماضي وهيمنة مارغريت تاتشر السياسية. ويناقش ريتشاردز ما إذا كان تحول الحزب نحو اليمين تحت قيادة بلير خطوة ضرورية وحتمية لتحقيق الفوز الانتخابي، أم أن الحزب كان قادراً بعد ثمانية عشر عاماً من حكم المحافظين على تقديم أطروحات أكثر جرأة وتمسكاً بمبادئ اليسار.
يطرح المؤلف رؤية مغايرة للصورة الذهنية الشائعة عن بلير؛ فبينما يُنظر إليه تقليدياً كـأحد "المحدثين" (Moderniser)، يجادل ريتشاردز بأنه سعى في الواقع إلى تعزيز المؤسسات التقليدية التي تُعّرف المملكة المتحدة، بدءاً من النظام الملكي وصولاً إلى المؤسسة العسكرية. وفي الجانب الاقتصادي، يرى الكتاب أن بلير رسخ الإرث الاقتصادي لمارغريت تاتشر بدلاً من تجاوزه أو الانقلاب عليه. كما يفند الكاتب الموقف البريطاني من حرب العراق، موضحاً أن بلير لم يتصرف بدافع نبوئي أو رسالي كما يُشاع، بل كان مدفوعاً ببراغماتية ومصلحة سياسية بحتة عبر التمسك بالعرف التقليدي القاضي بوقوف المملكة المتحدة كتفاً بكتف مع الولايات المتحدة في الحروب.
على الرغم من الظلال الكثيفة التي ألقتها حرب العراق على إرث بلير، إلا أن الكتاب يعيد التوازن إلى تقييم فترته الرئاسية عبر استعراض التحولات العميقة التي شهدتها بريطانيا بين عامي ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين وألفين وسبعة. ويسلط الضوء على إنجازات ملموسة مثل نقل السلطات الإدارية (Devolution) الذي ساهم في إرساء السلام في أيرلندا الشمالية، وإقرار الشراكات المدنية، وإحياء هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، ليخلص إلى أن بلير ترك بريطانيا في وضع أفضل بكثير، مؤكداً في الوقت ذاته أن التحديات التي واجهها بلير في تلك الحقبة هي ذاتها التحديات الحية التي لا تزال تواجه حزب العمال اليوم.
حظي الكتاب بإشادات نقدية واسعة من كبار المتخصصين؛ حيث وصفه المؤرخ والكاتب السياسي أنتوني سيلدون بأنه عمل شيق ومقنع يجمع قامة سياسية بحجم بلير مع قامة تحليلية بحجم ريتشاردز، في حين اعتبرته صحيفة فاينانشال تايمز كتاباً يجسد بدقة "التبشيرية" والتحفز اللذين اتسم بهما رجل واجه التاريخ محاولاً كتابة فصل جديد للملكة المتحدة.











