أصدرت دار نشر "غواندا" (Guanda) الإيطالية الطبعة الجديدة المترجمة من كتاب يوميات المفكر الوجودي والكاتب الألماني البارز إرنست يونغر بعنوان "إشعاعات.. يوميات 1941-1945" (Irradiazioni)، وهو وثيقة تاريخية وأدبية بالغة الأهمية تقع في 544 صفحة لتقدم شهادة حية وحاسمة على أهوال الحرب العالمية الثانية من منظور عسكري وفلسفي فريد.
يرصد الكتاب المذكرات الشخصية التي دونها يونغر إبان استدعائه للخدمة العسكرية كقائد سرية برتبة نقيب، متنقلاً بين أروقة هيئة الأركان العامة للقيادة العسكرية في باريس المحتلة، والخطوط الأمامية الشرسة للجبهة الشرقية في القوقاز، وصولاً إلى عزلته المتأخرة في كيرشورست. ويعكس النص التحول الفكري العميق للكاتب وانفصاله التدريجي الصارم عن النظام النازي وقادته العسكريين، لاسيما بعد فاجعته الشخصية بتلقي نبأ مقتل ابنه على الجبهة الإيطالية. ويمتاز أسلوب يونغر بالدقة والجرأة المطلقة في رصد التناقضات الحادة لتلك الحقبة؛ حيث يزاوج بين تصوير مناطق الرعب والوحشية التي استهدفت العزل في جبهة القوقاز، وبين الأمسيات الثقافية والمساجلات الفكرية النخبوية التي حاولت الحفاظ على بقايا الحضارة الأوروبية العريقة وسط الركام.
ويؤكد يونغر في ثنايا هذه اليوميات أن كتابتها لم تكن مجرد توثيق للأحداث، بل كانت بمثابة مساهمة فكرية وتدريب ذاتي قاسٍ على العدالة والتمسك بالحقيقة وسط مناخ عام من التضليل والدمار. وتمنح النظرة الحيادية الحذرة والوضوح السردي الصارم لهذا العمل قوة تعبيرية استثنائية، تجعل من "إشعاعات" ليس فقط دليلاً شاهداً على الكارثة الإنسانية والسياسية للقرن العشرين، بل واحداً من أجمل وأعمق الكتب الفلسفية التي خطها يراع يونغر في مسيرته الطويلة.









