"السائرة أثناء النوم": رواية جديدة لبيانكا بيتزورنو تتحدى الخرافة وتنتصر لحرية المرأة في إيطاليا القرن التاسع عشر
شهدت الأوساط الأدبية والنقدية في إيطاليا حالة من الترحيب البالغ والاحتفاء الكبير مع صدور الرواية التاريخية والدرامية الجديدة التي تحمل عنوان "La sonnambula" (السائرة أثناء النوم) للروائية والمفكرة الإيطالية البارزة بيانكا بيتزورنو. العمل الصادر باللغة الإيطالية عن دار النشر العريقة "بومبياني" التابعة لمجموعة "جيونتي" في طبعة أنيقة تقع في أربعمائة وست عشرة صفحة من القطع المتوسط، يمثل حدثاً أدبياً مميزاً يعيد إحياء أدب المغامرات والتشويق بنكهة نسوية تحررية. تقدم الرواية تشريحاً اجتماعياً ونفسياً عميقاً لوضع المرأة في نهاية القرن التاسع عشر، مستكشفة العوالم الغامضة للوعي البشري والقدرة على التمرد ضد القيود البطريركية، لتثبت بيتزورنو عبر فصولها الممتعة أن شجاعة الإنسان وعقلانيته هما القلم الحقيقي الكفيل بكتابة مصيره وتحديد مسار حياته بعيداً عن أوهام الخرافة وسيطرة الآخرين.
تستمد الرواية رصانتها الاستثنائية وعمقها التاريخي من المسيرة الفكرية والأدبية الفذة لكاتبتها؛ فالأستاذة بيانكا بيتزورنو، المولودة في مدينة ساساري بجزيرة سردينيا عام 1942 والتي تتخذ من ميلانو مقراً لعملها، هي واحدة من كبار الروائيين والمترجمين في إيطاليا، برصيد حافل يتجاوز سبعين مؤلفاً أدبياً وسوسيولوجياً ناجحاً تخطت مبيعاتها حاجز المليوني نسخة وترجمت لعشرات اللغات العالمية. وتمتاز بيتزورنو، التي ترجمت لعمالقة الأدب العالمي مثل تولكين وسيلفيا بلاث وديفيد غروسمان، بقدرتها الفائقة على نبش الأرشيف التاريخي المهمل واستخلاص قصص إنسانية مفعمة بالحياة والجرأة السياسية، كما تجلى في أعمالها السابقة مثل "حلم ماكينة الخياطة" و"الخداع" و"الحياة الجنسية لأسلافنا".
تنطلق أحداث الرواية من فكرة فلسفية مقلقة؛ إذ نادراً ما يكشف القدر عن ملامحه منذ مرحلة الطفولة، لكن هذا التحديد المبكر هو الضريبة التي تدفعها بطلة السرد "أوفيليا روسي". تعاني أوفيليا منذ صغرها من نوبات إغماء مفاجئة وحادة، تستيقظ منها دائماً وهي تحمل رؤى غامضة وتنبؤات دقيقة بأحداث مستقبلية وشيكة الوقع. وأمام هذا التميز المرعب، تحاول عائلتها إخفاء هذا "الغرابة الروحية" بكل الطرق، معتقدين أن تزويجها من رجل ميسور الحال سيكون كفيلاً بوضعها في مأمن وحمايتها من نظرات المجتمع المحيط. غير أن الواقع يثبت العكس تماماً، ليتحول عقد الزواج التقليدي إلى الفخ الأكثر خطورة وتدميراً لكيانها الإنساني، مما يجبرها على اتخاذ قرار مصيري بالفرار والهرب بعيداً للاعتماد على قوتها الذاتية وعقلها الحاد لإعادة بناء حياتها من الصفر.
تبدأ المغامرة الحقيقية لأوفيليا في إحدى مدن جزيرة سردينيا، حيث تفتتح صالوناً متواضعاً وخاصاً في "شارع الزهرة الحمراء"، مطلقة على نفسها لقب "السائرة الشهيرة أثناء النوم". وتتخذ من هذا المكان فضاءً مستقلاً لكسب عيشها بكرامة عبر تقديم نبوءات واستشارات نفسية وروحية مقابل خمس ليرات. تنجح أوفيليا في جذب الزبائن، واللواتي يمثلن في الأغلب سيدات من الطبقة البرجوازية والفقيرة يحملن في قلوبهن قلقاً دفيناً، ورغبات مكبوتة، ومخاوف عريضة على أنفسهن أو على من يحبون. تبرز هنا عبقرية البطلة؛ فهي لا تمارس السحر، بل تتقن مهارة الإنصات والاستماع العريق لمشاكل النساء، ثم تحاكي الدخول في غيبوبة وهمية (Trance)، ممسكة بريشة أوزة لتكتب استجابات وحلولاً عقلانية مغلفة بلغة التنبؤ، مستخدمة ذكاءها لتوجيه حيواتهن نحو الأفضل، حتى اللحظة التي تقع فيها أحداث غير متوقعة تتجاوز ترتيبها الحذر، ويعود ماضيها المظلم ليدق بابها بقوة.
تكشف بيانكا بيتزورنو في عمق نصها الروائي، والمستوحى بالكامل من قصاصة جريدة تاريخية حقيقية تعود لنهاية القرن التاسع عشر، عن قدرة فائقة على التلاعب بذكاء بالأنماط الكلاسيكية لروايات الحب والمغامرة المعتادة. إذ تغمس قادتها وقلمها الروائي في خليط ساحر من الأدب القوطي المظلم (Gothic) والرواية البيكارسكية الشطارية الصاخبة، لتقدم نصاً يعج بالحياة، والأحلام الفانتازية، والتهكم الساخر، والنقد السياسي الصريح لبنية المجتمع الحاكم آنذاك. يبرز جمال اللوحة السردية في رسم شخصية "السائرة أثناء النوم" كذات متحررة تماماً من خرافات العصر والجهل السائد، ومستعدة لمواجهة عواصف قدرها بكرامة وشجاعة منقطعة النظير كأمرأة وحيدة وفخورة في عالم ذكوري معاد وحذر.
حظيت رواية "السائرة أثناء النوم" بإشادات نقدية بالغة الرفع فور صدورها في المكتبات من كبار النقاد والمنصات الأدبية؛ حيث وُصفت أطروحة بيتزورنو بأنها الترياق الفكري والجمالي الأهم لإعادة الاعتبار للمقاومة النسائية التاريخية ومحاربة استلاب المرأة. نجحت الكاتبة في صياغة نص متكامل يمزج ببراعة فائقة بين متعة السرد والعمق السوسيولوجي والسياسي، مؤكدة أن القوة الحقيقية للبشر لا تنبع من الغيبيات، بل تولد من رحم إرادة التغيير والوعي الصلب، مما يجعل هذا العمل الممتع مرجعاً أدبياً وثقافياً لا غنى عنه لكل عشاق الرواية التاريخية الجادة والمؤثرة.








